من هو المعزّي حقًا؟
بقلم: ابراهيم الغامدي
قراءة لغوية ولاهوتية خارج القالب الكنسي
المدخل: العقدة البنيوية في "الوعد"
في مقالنا حول "التثليث والتوحيد"، أشرنا إلى أن الروح القدس في الكتاب المقدس يُقدم غالباً كصفة أو هبة من الله وليس كأقنوم مساوٍ. واليوم، نفتح ملف "المعزّي" (البارقليط) الذي تصر الكنيسة على حصره في الروح القدس، لنصطدم بمعضلة منطقية: الروح القدس كان حاضراً وفاعلاً قبل المسيح ومع التلاميذ.
إن "الوعد بشيء سيأتي بعد الذهاب لا معنى له إن كان هذا الشيء قائماً وفاعلاً بالفعل قبل الوعد". هذا التناقض الزمني يجعل الإشكال بنيوياً في أصل التفسير الكنسي، لا مجرد خلاف وجهات نظر.
عزلة يوحنا ومنهج بناء العقيدة
من الملاحظات "الباردة" التي تستوقف الباحث، أن هذا الوعد المفصلي ينفرد به إنجيل يوحنا دون بقية الأناجيل. وهنا نطرح تساؤلاً منهجياً: العقائد المركزية في أي منظومة دينية لا تُبنى عادة على شاهد منفرد، خصوصاً إذا غابت عن الروايات الأقدم زمنياً. إن هذه "العزلة النصية" تضعف من الزعم بأن المعزّي هو ركيزة روحية كونية وتدفعنا للبحث عن تفسير أكثر واقعية.
الإشكال اللغوي: Parakletos والمناورة الصامتة
الكلمة اليونانية Parakletos تعني الشفيع أو المؤيد. وقد أشار بعض الباحثين إلى احتمال التباس مبكر بينها وبين كلمة Periklutos التي تعني "المحمود" أو "كثير الحمد". نحن هنا لا نقدمها كقراءة نصية مثبتة، بل كإشكال لغوي محتمل أُقصي مبكراً، وهو ما يكشف حساسية المعنى وأثره العقدي الذي فضلت الكنيسة تجاوزه لتثبيت قالب الروحانية المجردة.
صفات المعزّي: من اللاهوت إلى الفلسفة المنطقية
حين نتأمل الصفات التي حددها نص يوحنا للمعزي، نجدها تخرج عن إطار "الروح" لتلامس إطار "النبي":
- التبعية في التبليغ: "لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به". وهنا نسأل بوضوح: ما معنى نفي الكلام من النفس عن أقنوم يُفترض أنه إله كامل الإرادة؟
- الدور التشريعي: "يبكّت العالم على خطية وعلى بر". هل الروح الخفي هو من يوبخ العالم تشريعياً، أم أن هذا دور الرسالة والرسول؟
- شرطية المجيء: "إن لم أنطلق لا يأتيكم".
برنابا: حين يكسر النص حاجز الرمزية
رغم الجدل التاريخي حول نصوص مثل إنجيل برنابا، إلا أن وضوح أطروحاته يفسر حساسية الكنيسة تجاهه. ففي الفصل 39، يخرج "المعزّي" من ضبابية الرمز إلى صراحة الاسم؛ حيث يروي النص حوار آدم مع الخالق حين رأى كتابة تتألق في الهواء:
"فقال آدم: أضرع إليك أن تنبئني ما معنى هذه الكلمات: محمد رسول الله؟ فأجاب الله: مرحباً بك يا عبدي آدم.. إن الذي رأيته هو ابنك الذي سيأتي إلى العالم بعد سنوات كثيرة، وسيكون رسولي الذي لأجله خلقت كل شيء".
هذا النص يضع "المعزّي" في إطاره التاريخي كبشر مُنتظر، وليس كقوة روحية غامضة.
المقارنة الهادئة (للتدبر)
نحن أمام نبوءة عن نبي يأتي بعد عيسى، لا ينطق عن الهوى (لا يتكلم من نفسه)، يحمل رسالة عالمية متممة، ويشهد للمسيح شهادة تنصفه.
(...............)
(...............)
لماذا تصر الكنيسة على التفسير الواحد؟
الهروب إلى التفسير "الروحي" هو وسيلة لإخراج المعزي من دائرة التاريخ القابل للفحص. إن استبعاد نصوص مثل برنابا لم يكن لنقص في قِدَمها، بل لأنها تُخرج "المعزي" عن إطاره الغيبي وتضعه في مواجهة مباشرة مع الواقع التاريخي الذي تحققت فيه كل صفات الباراقليط المذكورة في يوحنا.
الخاتمة
المعزي ليس مجرد مسألة إيمان غيبي، بل هو تقاطع نص ولغة ومنطق. ومن حق القارئ أن يتساءل: هل فُسّر النص بحياد، أم فُرض عليه تفسير؟ "وحين يُمنع السؤال باسم الإيمان، فالمشكلة لم تعد في النص.. بل في الخوف منه."


تعليقات
إرسال تعليق