التخطي إلى المحتوى الرئيسي
السيادة ليست شعاراً — مراجعات فكرية
— ✦ —

السيادة ليست شعاراً

ردٌّ على من يُشكّك في سيادة المملكة العربية السعودية

بقلم: ابراهيم الغامدي

يحق لكل شعب أن يسأل عن سيادته، وأن يراجع علاقاته الخارجية بعين ناقدة. وهذا حق مشروع لا يُنكَر. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا السؤال المشروع إلى أداة هجوم على الآخرين — قبل أن يُوجَّه إلى الداخل أولاً. بعض الأصوات المصرية تتصدّر المشهد بادعاء أن المملكة العربية السعودية "منزوعة السيادة" بحجة وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها. وهذا الادعاء — قبل أن نردّ عليه — يستحق أن يواجه بسؤال بسيط: وأنتم؟

١
المنظومة التي يتجاهلها أصحاب الادعاء ثلاث اتفاقيات لا اتفاقية واحدة

ثمة فرق جوهري بين أن تكون لك علاقات عسكرية مع دولة كبرى، وبين أن تُسلّمها مفاتيح قرارك العسكري. مصر اليوم لا تقف عند الحد الأول — بل تجاوزته إلى الثاني، من خلال منظومة متكاملة من ثلاث اتفاقيات تأسيسية تُشكّل في مجموعها تنازلاً منهجياً عن القرار العسكري المستقل.

CISMOA اتفاقية أمن المعلومات والاتصالات العسكرية
في يناير 2018، وقّعت مصر بهدوء تام على هذه الاتفاقية — ولم تُعلنها داخلياً، ولم تُعلن عنها السفارة المصرية في واشنطن إلا في مارس من العام نفسه، وبالإنجليزية فقط، دون كلمة عربية واحدة للشعب المصري. والسؤال يطرح نفسه: لماذا الإخفاء؟

بموجبها: نظم الاتصالات العسكرية المصرية تُستبدل بنظم أمريكية، وأجهزة الترميز تُدار بمفاتيح تشفير أمريكية، وتُصان وتُصلح بأيدٍ أمريكية. وهذا يعني تقنياً: القدرة على تعطيل منظومة الاتصال العسكري المصري أو التحكم فيها في أي لحظة حرجة.

المصدر: معهد أبحاث الأمن القومي (INSS) — "30 عاماً من الضغوط الأمريكية"    وثيقة ويكيليكس 09CAIRO874 — الرفض المصري التاريخي
LSA اتفاقية الإمدادات اللوجستية — الأشد خطورة
بموجبها، تُوضع المرافق والأصول العسكرية للدول الموقعة تحت تصرف الجيش الأمريكي — مقابل أن تعمل الوحدات العسكرية الأمريكية كـ"مظلة أمنية". والمعادلة صريحة: تدفع بأصولك العسكرية ثمناً لحماية يمنحها لك من يملك مفاتيح تلك الأصول أصلاً.
BECA الاتفاقية الأساسية للتبادل والتعاون
تنص على مشاركة البيانات الحساسة للمساعدة في تحديد الأهداف خلال العمليات البحرية والجوية. بمعنى آخر: ما تجمعه أجهزتك الاستخباراتية عن محيطك الإقليمي يُصبح متاحاً للطرف الأمريكي في العمليات التي يحددها هو.

ويُضاف إلى هذه المنظومة الثلاثية: قاعدة القاهرة الغربية الجوية — التي انطلقت منها العمليات الأمريكية في غزو العراق عام 2003 — ومختبر NAMRU-3 في العباسية، أكبر مختبر أمريكي للأمراض المعدية خارج الولايات المتحدة (المصدر: NCBI). كل هذا موجود. وكل هذا لا يُعلَن بالعربية.

فإذا كان معيار السيادة هو غياب الوجود العسكري الأجنبي، فليبدأ أصحاب الادعاء بمراجعة وثائقهم قبل أن يُحاضروا في سيادة غيرهم.

٢
السجل السيادي السعودي الأفعال لا الكلام — من أرشيف الخصم نفسه

السيادة لا تُقاس بالشعارات ولا بالخطب — تُقاس بما تفعله حين تضغط عليك القوى الكبرى. وفيما يلي محطات موثقة من مصادر غربية أولية، لأن شهادة الخصم أقوى من شهادة الذات:

١٩٥٠ — ١٩٨٠
تأميم أرامكو — الملك عبدالعزيز
حين هدد الملك عبدالعزيز بتأميم أرامكو الأمريكية الخالصة، انتهى الأمر بإجبار الشركات الأمريكية على قبول مبدأ تقاسم الأرباح 50/50. ثم تصاعد المسار حتى اكتملت السيطرة السعودية الكاملة في نهاية السبعينيات — وكانت شركة أمريكية ملكاً خالصاً لرأس المال الأمريكي.
١٩٧٣
سلاح النفط — الملك فيصل
حين هدد كيسنجر بالتدخل العسكري، ردّ الملك فيصل بعبارته التاريخية: "كنا نعيش تحت الخيام ونستطيع أن نعود إليها." الحظر نُفِّذ، وأزمة الطاقة العالمية التي أعقبته غيّرت موازين القوى الاقتصادية إلى الأبد.
أرشيف نيويورك تايمز — أكتوبر 1973
١٩٦٢
إغلاق قاعدة الظهران — الملك سعود
أعلن الملك سعود رسمياً في مارس 1961 أن اتفاقية قاعدة الظهران لن تُجدَّد — وأُغلقت في أبريل 1962. قرار سيادي أحادي، لا مفاوضة ولا مراوغة. الوثائق الأمريكية نفسها تعترف بأن الوجود العسكري الأجنبي كان يُزعج القوميين السعوديين — ومع ذلك أُغلق بقرار لا باحتجاجات.
١٩٨٨
طرد السفير هيوم هوران — الملك فهد
حين خاطب السفير الأمريكي الملك فهد بأسلوب رآه إهانةً في قضية صواريخ CSS-2 التي اشترتها المملكة من الصين دون إذن أمريكي، أقسم الملك فهد ألا يبيت السفير في الرياض — فأُخرج في الليل ذاته. السفير هوران نفسه وثّق اللحظة في شهادته.
شهادة السفير هوران — أرشيف ADST الدبلوماسي الأمريكي    تقرير معهد بروكينجز
٢٠٠٣
إخراج القوات الأمريكية
انتهى الوجود العسكري الأمريكي الكبير في السعودية — وانتقل مركز العمليات إلى قطر. ورواها رئيس وزراء قطر الأسبق الشيخ حمد بن جاسم بنفسه على التلفزيون: اتصلت به القوات الأمريكية تطلب الدخول إلى قطر لأنها باتت خارج الأراضي السعودية في انتقال سريع وغير منظم.
٢٠١١
إغلاق هاتف كلينتون — الأمير سعود الفيصل رحمه الله
حين اعترضت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون على دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين وهدّدت بتأثير ذلك على العلاقات، أغلق الأمير سعود الفيصل الهاتف في وجهها — ودخلت القوات. كلينتون نفسها وثّقت هذه اللحظة في مراسلاتها السرية: "حذّرته، لكنه أغلق الهاتف، وأُرسلت القوات."
أرشيف الخارجية الأمريكية — مراسلات كلينتون (FOIA)
٢٠٢٢
رفض أوبك+ — محمد بن سلمان
حين طلبت إدارة بايدن تأجيل خفض إنتاج النفط شهراً واحداً فقط، جاء الرفض. وحين توعّد بايدن بـ"عواقب"، اعترفت مصادر أمريكية بعد شهرين أن واشنطن لا تدرس أي إجراء انتقامي فعلي. لم تكن المسألة نفطاً فحسب — كانت رسالة في قراءة موازين القوى الحقيقية.
٢٠٢٥ — ٢٠٢٦
رفض المجال الجوي — محمد بن سلمان
في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، صرّح محمد بن سلمان علناً بأن المملكة لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها في أي عملية عسكرية ضد إيران. وأكد أن إيران كانت تعلم أن المجال الجوي السعودي لم يُستخدم لمهاجمتها.
٣
الجذر العقدي سيادة مبنية على الثوابت لا على التحالفات

ما يغفله كثيرون في قراءة السياسة السعودية هو أن المملكة لم تنشأ لتكون تابعة لأحد — بل نشأت على عقيدة جعلت السيادة فريضةً قبل أن تكون سياسة. منذ عام 1727، حين قامت الدولة السعودية الأولى على حلف الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، كان المبدأ المؤسس واضحاً: لا سلطان إلا لله، ولا ولاء مطلق إلا للشريعة. هذا ليس خطاباً دينياً للاستهلاك — هذا هو الجذر الذي فسّر سلوك الدولة في كل أزماتها الكبرى.

"نحن أمةٌ أعزَّنا الله بالإسلام،
ومن ابتغى العزّةَ بغيره أذلَّه الله"
— عمر بن الخطاب رضي الله عنه

والعلاقات الاستراتيجية مع القوى الكبرى في المنظور السعودي ليست مظلةً أمنية يُستظل بها — بل هي شراكات اقتصادية تُدار بمنطق المصلحة. والأمن منوط بالقيادة وأبناء الشعب بعد عناية الله سبحانه وتعالى — لا موسكو ولا واشنطن ولا بكين.

٤
الموقف من الحرب الدائرة لن نكون خندقاً لأحد

اليوم، وفي خضم الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يحاول كل طرف جرّ المملكة إلى معسكره. ولكل منهما حججه وضغوطه وأوراقه. غير أن الموقف السعودي يقوم على ثوابت لا تقبل المزايدة:

إيران وإسرائيل — كلتاهما تلطّخت يداها بدماء العرب. الدم العربي في غزة هو ذات الدم في سوريا والعراق ولبنان واليمن. لن تنجح إيران ولا إسرائيل، ومن خلفهما أمريكا، في جرّ المملكة إلى خندق أحدهما ضد الآخر.

وحين استهدفت إيران قاعدة الأمير سلطان في الخرج — رغم أن السعودية رفضت استخدام أراضيها ومجالها الجوي — تبرّأت إيران في الوقت ذاته من استهداف مصفاة رأس تنورة والسفارة الأمريكية في الرياض. والرسالة في هذا التمييز الدقيق واضحة: إيران لا تريد حرباً مع الرياض — وهي تعلم ثمنها.

أما السعودية، فقد أسقطت الصواريخ بدفاعاتها الجوية — بنفسها. لم تنتظر المظلة الأمريكية التي أثبتت هشاشتها في الدوحة، حين وقفت قاعدة العديد متفرجةً على أول ضربة إسرائيلية لعاصمة خليجية في التاريخ دون أن تحرك ساكناً.

المعيار المملكة العربية السعودية مصر
اتفاقية CISMOA لم توقّع ✓ وقّعت سراً 2018 ✗
اتفاقية LSA لم توقّع ✓ موقّعة ✗
قواعد أمريكية دائمة أُغلقت وأُخرجت ✓ موجودة وغير معلنة ✗
الإعلان للشعب لا تحتاج إخفاء ✓ مخفي بالإنجليزية ✗
رفض الضغوط الأمريكية موثّق 8 مرات ✓ غير موثّق ✗

في نهاية المطاف، السيادة لا تُثبَت بالادعاءات — تُثبَت بالأفعال وتُقرأ في السجل التاريخي.

سيادة بلد يُغلق وزير خارجيته الهاتف في وجه كلينتون، ويُخرج سفيراً أمريكياً في الليل، ويُؤمّم شركة أمريكية خالصة، ويرفض مجاله الجوي لأكبر قوة عسكرية في العالم — هذه سيادة تُقرأ بالوقائع الموثقة في الأرشيف الأمريكي نفسه.

وسيادة بلد يوقّع منظومة اتفاقيات تُسلّم نظم اتصالاته العسكرية لمفاتيح تشفير أجنبية، وتضع أصوله العسكرية تحت التصرف الأمريكي، وتُشارك بياناته الاستخباراتية في تحديد أهداف لا يختارها — ثم يُخفي كل ذلك عن شعبه بالإنجليزية — هذه أيضاً تُقرأ بالوقائع.

المرآة لا تكذب. والتاريخ لا يُحاكم بالنيات — بل بالوثائق.

▪ المصادر والمراجع
  • ١
    معهد أبحاث الأمن القومي (INSS) — اتفاقية CISMOA ومصر "تتويج لـ 30 عاماً من الضغوط الأمريكية" — يشرح بالتفصيل مقابل السلاح المتطور وأمن الاتصالات
    inss.org.il/publication/israel-united-states-military-assistance-egypt
  • ٢
    أرشيف ويكيليكس — وثيقة 09CAIRO874 الرفض المصري التاريخي لـ CISMOA لكونها "تمس السيادة" — مما يجعل التوقيع عام 2018 نقطة تحول كبرى
    wikileaks.org/plusd/cables/09CAIRO874_a.html
  • ٣
    المكتبة الوطنية للطب (NCBI) — مختبر NAMRU-3 "أكبر منشأة أبحاث عسكرية طبية أمريكية خارج الولايات المتحدة" في القاهرة
    ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK223705
  • ٤
    أرشيف ADST الدبلوماسي الأمريكي — شهادة السفير هيوم هوران "الانفجار الملكي" — شهادة السفير نفسه عن طرده من الرياض عقب أزمة صواريخ CSS-2
    adst.org/2014/07/an-enemy-of-the-king
  • ٥
    معهد بروكينجز — العلاقات السعودية الصينية توثيق غضب الملك فهد من السفير الأمريكي وصواريخ "رياح الشرق"
    brookings.edu/articles/saudi-arabias-relations-with-china
  • ٦
    أرشيف الخارجية الأمريكية — مراسلات كلينتون (FOIA) توثيق تجاهل السعودية التحذيرات الأمريكية ودخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين 2011
    foia.state.gov/FOIALIBRARY/SearchResults.aspx
  • ٧
    أرشيف نيويورك تايمز — أكتوبر 1973 تقارير التهديد السعودي بوقف النفط ثم التنفيذ الفعلي الذي صدم كيسنجر
    nytimes.com — Saudi Threat on Oil Reported, Oct. 1973
مراجعات فكرية تحليل سياسي موثّق — جميع المصادر من أرشيفات غربية أولية

تعليقات

المشاركات الشائعة