السيادة ليست شعاراً
ردٌّ على من يُشكّك في سيادة المملكة العربية السعودية
بقلم: ابراهيم الغامدي
يحق لكل شعب أن يسأل عن سيادته، وأن يراجع علاقاته الخارجية بعين ناقدة. وهذا حق مشروع لا يُنكَر. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا السؤال المشروع إلى أداة هجوم على الآخرين — قبل أن يُوجَّه إلى الداخل أولاً. بعض الأصوات المصرية تتصدّر المشهد بادعاء أن المملكة العربية السعودية "منزوعة السيادة" بحجة وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها. وهذا الادعاء — قبل أن نردّ عليه — يستحق أن يواجه بسؤال بسيط: وأنتم؟
ثمة فرق جوهري بين أن تكون لك علاقات عسكرية مع دولة كبرى، وبين أن تُسلّمها مفاتيح قرارك العسكري. مصر اليوم لا تقف عند الحد الأول — بل تجاوزته إلى الثاني، من خلال منظومة متكاملة من ثلاث اتفاقيات تأسيسية تُشكّل في مجموعها تنازلاً منهجياً عن القرار العسكري المستقل.
بموجبها: نظم الاتصالات العسكرية المصرية تُستبدل بنظم أمريكية، وأجهزة الترميز تُدار بمفاتيح تشفير أمريكية، وتُصان وتُصلح بأيدٍ أمريكية. وهذا يعني تقنياً: القدرة على تعطيل منظومة الاتصال العسكري المصري أو التحكم فيها في أي لحظة حرجة.
المصدر: معهد أبحاث الأمن القومي (INSS) — "30 عاماً من الضغوط الأمريكية" وثيقة ويكيليكس 09CAIRO874 — الرفض المصري التاريخي
ويُضاف إلى هذه المنظومة الثلاثية: قاعدة القاهرة الغربية الجوية — التي انطلقت منها العمليات الأمريكية في غزو العراق عام 2003 — ومختبر NAMRU-3 في العباسية، أكبر مختبر أمريكي للأمراض المعدية خارج الولايات المتحدة (المصدر: NCBI). كل هذا موجود. وكل هذا لا يُعلَن بالعربية.
فإذا كان معيار السيادة هو غياب الوجود العسكري الأجنبي، فليبدأ أصحاب الادعاء بمراجعة وثائقهم قبل أن يُحاضروا في سيادة غيرهم.
السيادة لا تُقاس بالشعارات ولا بالخطب — تُقاس بما تفعله حين تضغط عليك القوى الكبرى. وفيما يلي محطات موثقة من مصادر غربية أولية، لأن شهادة الخصم أقوى من شهادة الذات:
أرشيف نيويورك تايمز — أكتوبر 1973
شهادة السفير هوران — أرشيف ADST الدبلوماسي الأمريكي تقرير معهد بروكينجز
أرشيف الخارجية الأمريكية — مراسلات كلينتون (FOIA)
ما يغفله كثيرون في قراءة السياسة السعودية هو أن المملكة لم تنشأ لتكون تابعة لأحد — بل نشأت على عقيدة جعلت السيادة فريضةً قبل أن تكون سياسة. منذ عام 1727، حين قامت الدولة السعودية الأولى على حلف الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، كان المبدأ المؤسس واضحاً: لا سلطان إلا لله، ولا ولاء مطلق إلا للشريعة. هذا ليس خطاباً دينياً للاستهلاك — هذا هو الجذر الذي فسّر سلوك الدولة في كل أزماتها الكبرى.
ومن ابتغى العزّةَ بغيره أذلَّه الله"
والعلاقات الاستراتيجية مع القوى الكبرى في المنظور السعودي ليست مظلةً أمنية يُستظل بها — بل هي شراكات اقتصادية تُدار بمنطق المصلحة. والأمن منوط بالقيادة وأبناء الشعب بعد عناية الله سبحانه وتعالى — لا موسكو ولا واشنطن ولا بكين.
اليوم، وفي خضم الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يحاول كل طرف جرّ المملكة إلى معسكره. ولكل منهما حججه وضغوطه وأوراقه. غير أن الموقف السعودي يقوم على ثوابت لا تقبل المزايدة:
إيران وإسرائيل — كلتاهما تلطّخت يداها بدماء العرب. الدم العربي في غزة هو ذات الدم في سوريا والعراق ولبنان واليمن. لن تنجح إيران ولا إسرائيل، ومن خلفهما أمريكا، في جرّ المملكة إلى خندق أحدهما ضد الآخر.
وحين استهدفت إيران قاعدة الأمير سلطان في الخرج — رغم أن السعودية رفضت استخدام أراضيها ومجالها الجوي — تبرّأت إيران في الوقت ذاته من استهداف مصفاة رأس تنورة والسفارة الأمريكية في الرياض. والرسالة في هذا التمييز الدقيق واضحة: إيران لا تريد حرباً مع الرياض — وهي تعلم ثمنها.
أما السعودية، فقد أسقطت الصواريخ بدفاعاتها الجوية — بنفسها. لم تنتظر المظلة الأمريكية التي أثبتت هشاشتها في الدوحة، حين وقفت قاعدة العديد متفرجةً على أول ضربة إسرائيلية لعاصمة خليجية في التاريخ دون أن تحرك ساكناً.
| المعيار | المملكة العربية السعودية | مصر |
|---|---|---|
| اتفاقية CISMOA | لم توقّع ✓ | وقّعت سراً 2018 ✗ |
| اتفاقية LSA | لم توقّع ✓ | موقّعة ✗ |
| قواعد أمريكية دائمة | أُغلقت وأُخرجت ✓ | موجودة وغير معلنة ✗ |
| الإعلان للشعب | لا تحتاج إخفاء ✓ | مخفي بالإنجليزية ✗ |
| رفض الضغوط الأمريكية | موثّق 8 مرات ✓ | غير موثّق ✗ |
في نهاية المطاف، السيادة لا تُثبَت بالادعاءات — تُثبَت بالأفعال وتُقرأ في السجل التاريخي.
سيادة بلد يُغلق وزير خارجيته الهاتف في وجه كلينتون، ويُخرج سفيراً أمريكياً في الليل، ويُؤمّم شركة أمريكية خالصة، ويرفض مجاله الجوي لأكبر قوة عسكرية في العالم — هذه سيادة تُقرأ بالوقائع الموثقة في الأرشيف الأمريكي نفسه.
وسيادة بلد يوقّع منظومة اتفاقيات تُسلّم نظم اتصالاته العسكرية لمفاتيح تشفير أجنبية، وتضع أصوله العسكرية تحت التصرف الأمريكي، وتُشارك بياناته الاستخباراتية في تحديد أهداف لا يختارها — ثم يُخفي كل ذلك عن شعبه بالإنجليزية — هذه أيضاً تُقرأ بالوقائع.
المرآة لا تكذب. والتاريخ لا يُحاكم بالنيات — بل بالوثائق.
-
١
معهد أبحاث الأمن القومي (INSS) — اتفاقية CISMOA ومصر "تتويج لـ 30 عاماً من الضغوط الأمريكية" — يشرح بالتفصيل مقابل السلاح المتطور وأمن الاتصالات
inss.org.il/publication/israel-united-states-military-assistance-egypt -
٢
أرشيف ويكيليكس — وثيقة 09CAIRO874 الرفض المصري التاريخي لـ CISMOA لكونها "تمس السيادة" — مما يجعل التوقيع عام 2018 نقطة تحول كبرى
wikileaks.org/plusd/cables/09CAIRO874_a.html -
٣
المكتبة الوطنية للطب (NCBI) — مختبر NAMRU-3 "أكبر منشأة أبحاث عسكرية طبية أمريكية خارج الولايات المتحدة" في القاهرة
ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK223705 -
٤
أرشيف ADST الدبلوماسي الأمريكي — شهادة السفير هيوم هوران "الانفجار الملكي" — شهادة السفير نفسه عن طرده من الرياض عقب أزمة صواريخ CSS-2
adst.org/2014/07/an-enemy-of-the-king -
٥
معهد بروكينجز — العلاقات السعودية الصينية توثيق غضب الملك فهد من السفير الأمريكي وصواريخ "رياح الشرق"
brookings.edu/articles/saudi-arabias-relations-with-china -
٦
أرشيف الخارجية الأمريكية — مراسلات كلينتون (FOIA) توثيق تجاهل السعودية التحذيرات الأمريكية ودخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين 2011
foia.state.gov/FOIALIBRARY/SearchResults.aspx -
٧
أرشيف نيويورك تايمز — أكتوبر 1973 تقارير التهديد السعودي بوقف النفط ثم التنفيذ الفعلي الذي صدم كيسنجر
nytimes.com — Saudi Threat on Oil Reported, Oct. 1973


تعليقات
إرسال تعليق