السعودية وأسطورة "الدولة المتطرفة": تفكيك المغالطة وتصحيح السياق
بقلم: إبراهيم الغامدي
لم يكن توصيف السعودية بأنها "دولة متطرفة" مقبولًا من الناحية العلمية أو السياسية حتى قبل صعود موجة الإسلام السياسي في العقود الأخيرة؛ فكيف يُعاد تسويقه اليوم؟ هذا الوصف يُستدعى دوريًا كلما تغيّر المناخ السياسي الدولي، فيتحول إلى أداة في خطاب ظرفي، دون أن يرقى إلى توصيف منضبط لبنية الدولة السعودية أو تاريخها الفعلي.
أولاً: ملكية محافظة لا ثورية عقائدية
تقوم الدولة السعودية في جوهرها على نظام ملكية تقليدية مركزية (آل سعود)، وهو نظام يستمد استقراره من الشرعية التاريخية والاجتماعية، لا من "حزب عقائدي" عابر للحدود.
ثمة فرق جوهري بين "المحافظة الاجتماعية" أو ما يمكن تسميته بالسياسة الإسلامية للدولة، وبين "التطرف الأيديولوجي" الذي تمثله حركات الإسلام السياسي.
غير أن هذا الفارق كثيرًا ما يلتبس في الذهن الغربي، كما تستثمره بعض الدويلات المارقة المحسوبة على العرب والمسلمين لتشويه صورة السعودية ومحاولة تصوير محافظتها بوصفها تطرفًا. فالمشروع الثوري الحزبي بطبيعته نزّاع للتصدير والاختراق، بينما المشروع الملكي المحافظ بطبيعته حريص على الاستقرار وحدود السيادة.
ثانيًا: المؤسسية في إدارة الشأن الديني
خلافًا للتنظيمات السرية أو المليشيات التي تعتمدها أحزاب الإسلام السياسي، كانت إدارة الشأن الديني في المملكة دائمًا مؤسسية ومعلنة. فالقضاء والتعليم والفتوى تدار عبر هيئات رسمية تابعة للدولة، مما جعل الخطاب الديني جزءًا من أدوات الاستقرار الوطني، لا وسيلة للتثوير أو الخروج على النظام العام. وبذلك ظل الدين في المملكة جزءًا من بنيان الدولة وأدوات ضبطها، لا منصةً لحزب ينازعها الشرعية أو يزايد عليها في تمثيل الإسلام.
ثالثًا: برهان "اقتصاد السوق" والارتباط بالغرب
منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ارتبطت السعودية بعلاقات استراتيجية راسخة مع الغرب، بدأت بامتيازات النفط عام 1933 وتطورت إلى شراكات أمنية واقتصادية كبرى.
إن تبني المملكة لنمط اقتصاد السوق التنافسي وانفتاحها على الاستثمارات العالمية يجعلها نقيضًا تامًا لأي مشروع "انغلاقي متطرف". يصعب عقلًا وسياسة أن تتبنى دولة بهذا الحجم من الاندماج في الاقتصاد العالمي أيديولوجيا صدامية مع النظام الدولي الحديث، لأن مصالحها الاستراتيجية مرهونة باستقراره واستمراره.
رابعًا: السعودية كأكبر ضحية لإرهاب "الفروخ"
التاريخ القريب يشهد أن المملكة العربية السعودية كانت من أكثر الدول التي عانت من إرهاب أحزاب الإسلام السياسي. فمن تنظيم "القاعدة" إلى "داعش"، كانت الدولة السعودية هدفًا رئيسًا لهذه الجماعات التي رأت في نموذج الدولة الوطنية السعودية "عقبة" أمام مشاريعها الفوضوية.
خاضت المملكة مواجهات أمنية وفكرية شرسة ضد "فروخ" الإسلام السياسي، وطورت أحد أوسع برامج مكافحة الإرهاب عالميًا، مما يجعل اتهامها بالتطرف مفارقة تاريخية صارخة؛ فكيف تُوصَف بالتطرف دولة كانت في الصف الأول في الحرب على التنظيمات المتطرفة ومموليها؟
الخاتمة
إن وصف السعودية بالتطرف يتجاهل عمدًا بنية الدولة وتاريخها، ويخلط بين صراعها الشرعي مع أحزاب الإسلام السياسي وبين طبيعة النظام نفسه. ومع كل دورة جديدة من دورات هذا الخطاب، يزداد التباين بين الصورة الدعائية التي تُرسم للمملكة، وبين واقع دورها الفعلي كدولة محورية محافظة تسعى لتثبيت الاستقرار في محيط مضطرب.
هي تهمة قديمة تُستدعى لأغراض سياسية، لكن الواقع يثبت أن السعودية كانت، ولا تزال، ركيزة للاستقرار في منطقة تعصف بها الأيديولوجيات الثورية العابرة للحدود.


تعليقات
إرسال تعليق