بين كراكاس وحضرموت

هل يؤمن ترامب وقود حرب قادمة في الشرق الأوسط؟

بقلم: إبراهيم الغامدي

في الثالث من يناير 2026، استيقظ العالم على مشهد دراماتيكي يجسد عودة "البراغماتية الخشنة" لواشنطن؛ سقوط العاصمة الفنزويلية كراكاس واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته في عملية عسكرية أمريكية خاطفة. ولكن، وفي مفارقة جيوسياسية لافتة، شهد اليوم التالي مباشرة (4 يناير) إعلان المملكة العربية السعودية عن انطلاق تمرين "درع الخليج 2026" بمشاركة كاملة من دول مجلس التعاون، بما فيها الإمارات.

كسر الطوق الإبراهيمي: صراع السيادة على الممرات

قبل زلزال كراكاس بأيام، كانت السعودية قد خاضت معركة صامتة وعلنية لكسر ما يمكن تسميته بـ "الطوق الإبراهيمي". فمن خلال حسم الوضع الميداني في حضرموت والمهرة، وتوجيه ضربات جوية دقيقة لقطع خطوط الإمداد التي حاولت فرض واقع عسكري جديد، أجهضت الرياض مشروعاً اماراتيا-اسرائيليا كان يهدف لتحويل جنوب الجزيرة العربية إلى "مربعات نفوذ" مخترقة تابعة للمحور الإبراهيمي.

لقد كان الاعتراف الإسرائيلي المفاجئ بـ "صوماليلاند" في أواخر ديسمبر 2025 بمثابة محاولة لزرع "مخالب" عند حلق باب المندب وجزيرة سقطرى. وحين نجح محور السعودية-مصر في تعطيل هذه المخالب عبر التمسك بوحدة الصومال وفرض "درع الوطن" في حضرموت، أدركت واشنطن أن أدواتها في المنطقة قد تعطلت أمام "الحزم السعودي" الجديد.

كراكاس: تصريح "اللامبالاة" الأمريكي بالممرات

إن استيلاء دونالد ترامب على نفط فنزويلا ليس مجرد عملية لتغيير نظام سياسي، بل هو تصريح عملي ببدء مرحلة "الاستغناء الجيوسياسي". ترامب، بعقلية التاجر، يدرك أن أي مغامرة عسكرية قادمة في الشرق الأوسط قد تؤدي لإغلاق مضيق هرمز وباب المندب، وهو ما كان يمثل كابوساً اقتصادياً لواشنطن في السابق.

"اليوم، ومن خلال السيطرة على كراكاس، يعلن ترامب أنه لم يعد يكترث بفتح أو إغلاق الممرات المائية العربية؛ فقد أمن وقود بلاده في حديقته الخلفية، ليمنح نفسه الضوء الأخضر لإشاعة فوضى عسكرية في منطقتنا دون الاكتراث بالعواقب الطاقوية."

درع الخليج: الرد المتزامن والسيادة الصلبة

جاء انطلاق تمرين "درع الخليج" في اليوم التالي مباشرة لسقوط مادورو كرسالة سعودية فورية وحاسمة. مشاركة الإمارات في هذا التمرين -بعد الصدام المرير في حضرموت- تعني أن الرياض نجحت في إعادة ترتيب البيت الخليجي وإعادة "الحلفاء" إلى بيت الطاعة تحت مظلة أمنية موحدة، وربما تمهيدا لانسحابها من اتفاقيه ابراهام.

الرسالة واضحة لترامب وللمحور الإبراهيمي: إذا كنت قد أمّنت نفطك لتشعل فتيل الحرب، فنحن قد أمّنا جغرافيتنا ووحدنا صفوفنا لنحمي استقرارنا. السعودية اليوم لا تكتفي بدور الشريك، بل تفرض دورها كـ "مايسترو" يضبط إيقاع الممرات الدولية، سواء رغبت واشنطن في الاكتراث بها أم لا.

الخلاصة: من يملك مفتاح الكوكب؟

بينما يهرب ترامب من ممراتنا ليؤمن وقوده من كراكاس، فإنه يرتكب خطأً استراتيجياً فادحاً؛ فالاستقرار الذي يصر المايسترو السعودي على فرضه في "ممرات الطاقة العالميه" يتقاطع جوهرياً مع مصالح قوى دولية أخرى وعلى رأسها الصين.

على واشنطن أن تدرك أن السيادة على الممرات والقرار العربي ليست "سلعة" يمكن استبدالها بنفط فنزويلا، بل هي صراع وحرب بين الملوك (القوى العظمى)، وهي مفتاح النظام العالمي الجديد. ومن يملك هذا المفتاح، هو من سيُتوج الملك القادم على عرش الاقتصاد العالمي، بعيداً عن مغامرات "الفوضى المنظمة".

تعليقات

المشاركات الشائعة