حقيقة الصدام وتفكيك السردية الإماراتية
من “خلاف نفوذ خليجي” إلى مواجهة بنيوية بين محورين
بقلم: إبراهيم الغامدي
يحاول الخطاب الإعلامي الإماراتي، ومعه بعض الأصوات العربية المستأجرة، اختزال ما يجري في حضرموت والقرن الأفريقي في إطار “صراع سعودي–إماراتي على النفوذ”. هذا التوصيف لا يمثل خطأً تحليلياً عابراً، بل تضليلاً سياسياً مقصوداً يهدف إلى إخفاء طبيعة الصدام الحقيقية. نحن لسنا أمام تنافس خليجي بين دولتين، بل أمام مواجهة بنيوية بين دولة المركز العربي ومشروع إقليمي عابر للمنطقة، تتقدمه إسرائيل، وتؤدي أبوظبي فيه دور الواجهة الوظيفية.
أولاً: مغالطة الندية بين الرياض وأبوظبي
من الناحية التاريخية والجيوسياسية، لا تقوم العلاقة بين السعودية والإمارات على مبدأ الندية أصلاً حتى يُفترض وجود “صراع نفوذ”. السعودية دولة مركزية تشكّلت سياسياً منذ القرن الثامن عشر، وتمتلك عمقاً سكانياً، ومساحة جغرافية، وثقلاً دينياً، وموقعاً محورياً في توازنات العالمين العربي والإسلامي. في المقابل، نشأت الإمارات ككيان حديث في سبعينيات القرن الماضي، ضمن بيئة إقليمية وفّرت لها مظلة الاستقرار والحماية.
هذا الفارق ليس توصيفاً قيمياً ولا خطاباً تعبوياً، بل حقيقة بنيوية تفسر طبيعة الأدوار في الإقليم. ولهذا فإن افتراض “صدام متكافئ” يتجاهل أساس المعادلة. والأهم من ذلك: لو كان الخلاف بين دولتين خليجيتين على النفوذ، لكانت أدوات الضغط التقليدية (اغلاق المجال الجوي والمنفذ الحدودي) كفيلة بحسمه سريعاً. عدم لجوء الرياض إلى هذه الأدوات لا يعكس ضعفاً أو تردداً، بل فهماً أعمق لطبيعة الخصومه الحقيقي.
ثانياً: من خطاب الخلاف إلى اعتراف المحور
في أبريل 2021، كتب مسؤول إماراتي بارز تغريدة تحدث فيها صراحة عن “محور إقليمي جديد قيد التأسيس"
هذا التصريح لا يحتمل التأويل؛ فهو إعلان سياسي مباشر عن مشروع إقصائي، لا علاقة له بمنطق التعايش أو إدارة الخلاف.
لاحقاً، جاء الخطاب من داخل الكنيست الإسرائيلي
ليؤكد المعنى ذاته، حين قُدِّمت اتفاقيات التطبيع بوصفها مشروعاً لتغيير المنطقة بأكملها، لا مجرد علاقة ثنائية. هنا ينتقل التطبيع من كونه خياراً دبلوماسياً إلى كونه أداة لإعادة هندسة الإقليم.
ثالثاً: حقيقة الصراع في حضرموت والقرن الأفريقي
ما تشهده حضرموت، والسودان، والقرن الأفريقي، وسقطرى، لا يمكن فهمه خارج هذا الإطار. نحن أمام محاولة لبناء شريط نفوذ يمتد من شرق المتوسط إلى المحيط الهندي، عبر الموانئ والممرات البحرية والكيانات الهشّة. في هذه المعادلة، لا تعمل أبوظبي كدولة تبحث عن أمنها، بل كـمشغّل إقليمي ضمن محور تقوده إسرائيل بدعم أمريكي.
إعلان الاستعداد لتطبيع كيان انفصالي محتمل في جنوب اليمن على لسان عيدروس الزبيدي، والاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند في توقيت بالغ الحساسية، لا يمثلان أحداثاً منفصلة، بل حلقات في مسار واحد.
رابعاً: تفكيك تهمة “الذباب الإلكتروني” وعزل الشارع العربي
مع تصاعد الرفض الشعبي السعودي للممارسات الإماراتية، لجأ الإعلام الإماراتي ولجانه الإلكترونية إلى وصف هذا التفاعل بـ“الذباب الإلكتروني”. هذا الوصف لا يحمل أي قيمة تحليلية، بل يؤدي وظيفة سياسية واضحة: إبعاد الشارع العربي عن الصوت السعودي الحقيقي، وتصويره على أنه ضجيج مصطنع لا يعكس موقفاً وطنياً.
غير أن هذه التهمة تنهار عند أول اختبار منطقي. المواطن السعودي الذي يعبّر عن موقفه يفعل ذلك باسمه الحقيقي، وصورته الحقيقية، وتاريخه الاجتماعي المعروف. لا يختبئ خلف حسابات وهمية ولا أسماء مستعارة. وإذا كان هذا “ذباباً إلكترونياً” كما يدّعي إعلام أبوظبي، فإن السؤال البديهي يصبح:
هل قناة العربية ذباب إلكتروني؟
هل قناة الحدث ذباب إلكتروني؟
هل القناة الإخبارية السعودية الرسمية ذباب إلكتروني؟
هل بيانات وزارة الخارجية ووزارة الدفاع السعودية ذباب إلكتروني؟
إذا كان كل ذلك “ذباباً”، فمن إذن يمثّل الحقيقة؟ هل هي الحسابات مجهولة الهوية؟ أم اللجان الإلكترونية المدفوعة؟ أم ما يُعرف بـ“السعوراتيين”، أي صناع محتوى سعوديين تخلّوا عن استقلالهم وتحولوا إلى أبواق مأجورة للسردية الإماراتية؟
الحقيقة المعكوسة هنا واضحة: من يصف الآخرين بالذباب يفعل ذلك لأنه عاجز عن مواجهة موقف وطني شامل، فيلجأ إلى نزع الشرعية عنه عبر التشويه اللفظي. هذه ليست حجة، بل علامة ارتباك، واعتراف ضمني بأن الصوت السعودي خرج عن السيطرة ولم يعد قابلاً للاحتواء أو التهميش.
خامساً: المقاربة السعودية واختيار ساحة المواجهة
تعاملت السعودية مع هذا التحول بوصفه تحدياً بنيوياً، لا خلافاً سياسياً عابراً. ولذلك اختارت المواجهة في الجغرافيا الاستراتيجية، لا عبر أدوات عقابية مباشرة. منع التمدد على الأرض، وكشف المشروع أمام الرأي العام، كان الخيار الأكثر عقلانية للحفاظ على روابط الدم بين الاشقاء في الخليج.
الخاتمة: الصدام كما هو، لا كما يُسوَّق
الحقيقة التي يحاول الخطاب الإعلامي الإماراتي إخفاءها هي أن ما يجري اليوم ليس تنافس نفوذ خليجياً، بل مواجهة بين محور عربي يسعى إلى تثبيت الدولة الوطنية، ومحور إبراهيمي يعمل على إعادة هندسة المنطقة عبر أدوات وظيفية. السعودية في هذا الصدام لا تحارب الإمارات، بل تواجه مشروعاً أكبر، وأبوظبي فيه ليست نداً، بل مجرد أداة.
هذا التشخيص ليس انفعالاً سياسياً، بل قراءة لمسار ممتد تؤكده التصريحات، وتفضحه الممارسات، وتثبته الأحداث الأخيرة. وفي مثل هذا الصدام، لا يعود السؤال: من على حق؟ بل: من فهم طبيعة المعركة مبكراً، وتصرف على هذا الأساس.



تعليقات
إرسال تعليق