كشف المخطط الإماراتي-الإسرائيلي

كشف المخطط الإماراتي-الإسرائيلي

بيان توضيحي شامل: من الانسحاب المزعوم (2019) إلى المواجهة المباشرة (2025-2026)

إعداد: إبراهيم الغامدي

مقدمة

تمثل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي واليمن ذروة مخطط استراتيجي بعيد المدى، تشترك فيه قوى إقليمية ودولية تهدف إلى تفكيك البنى السياسية التقليدية للدول الوطنية واستبدالها بكيانات وظيفية تخدم مصالح أمنية واقتصادية ضيقة.

إن القراءة المتعمقة للأحداث الممتدة من إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها العسكري من اليمن في عام 2019، وصولاً إلى الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بجمهورية "أرض الصومال" والصدام العسكري المباشر مع المملكة العربية السعودية في أواخر عام 2025، تكشف عن نمط من "الفوضى المنظمة" التي تسعى لإعادة رسم حدود النفوذ والهوية في المنطقة.

هذا التقرير يفكك خيوط هذا المخطط، موضحاً الآليات التي استخدمت لتحويل التحالفات العسكرية إلى أدوات لتقسيم الجغرافيا، وكيف أصبحت "اتفاقيات إبراهيم" المظلة السياسية التي تشرعن وجود كيانات انفصالية في ممرات الملاحة الدولية الأكثر حيوية في العالم.

التحول الاستراتيجي الإماراتي: من الوجود العسكري المباشر إلى هندسة الوكلاء (2019-2024)

في عام 2019، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة سحب قواتها من اليمن، وهي الخطوة التي وصفتها حينها بأنها تحول من "الاستراتيجية العسكرية" إلى "استراتيجية السلام أولاً". ومع ذلك، تشير الوقائع الميدانية التي تكشفت في السنوات اللاحقة إلى أن هذا الانسحاب كان مجرد إعادة تموضع تكتيكية تهدف إلى التملص من الضغوط الدولية والمساءلة القانونية المرتبطة بضحايا الحرب، مع الاحتفاظ بسيطرة فعلية على الأرض من خلال شبكة معقدة من القوات المحلية الموالية لها.

لقد تركت الإمارات وراءها بنية تحتية عسكرية هائلة، تتكون من فرق مكافحة الإرهاب، وقوات الحزام الأمني، والنخبة الحضرمية والمهرية، وألوية العمالقة، والتي يأتمر جميعها بأمر المجلس الانتقالي الجنوبي الذي ترعاه أبوظبي.

توضح البيانات العسكرية أن الوحدات الإماراتية التي بقيت تحت مسمى "فرق مكافحة الإرهاب" كانت تلعب دوراً محورياً في توجيه العمليات وتأمين القواعد العسكرية الاستراتيجية في جزر ميون وسقطرى، إضافة إلى ميناء بلحاف ومنشآت نفطية أخرى. وبحلول عام 2025، تبين أن هذا الوجود لم يكن يهدف إلى دعم "الشرعية اليمنية" بقدر ما كان يهدف إلى تمكين المجلس الانتقالي الجنوبي من فرض أمر واقع يؤدي في النهاية إلى الانفصال.

إن استراتيجية "الانسحاب المزعوم" سمحت للإمارات ببناء "دولة داخل الدولة" في الجنوب اليمني، قادرة على المناورة السياسية بعيداً عن التزامات التحالف العربي الرسمية.

الاعتراف الضمني: تغريدة تكشف الاستراتيجية (2021)

في 23 أبريل 2021، أي بعد أقل من عامين من "الانسحاب المزعوم" من اليمن، نشر الدكتور عبدالخالق عبدالله، المستشار السياسي البارز والمقرب من دوائر صنع القرار في أبوظبي، تغريدة كاشفة على حسابه الرسمي:

الدلالات الاستراتيجية لهذه التغريدة:

أولاً - إعلان ميلاد "محور إبراهيم": التغريدة تؤكد أن اتفاقيات إبراهيم (سبتمبر 2020) لم تكن مجرد تطبيع ديبلوماسي، بل كانت نواة تحالف استراتيجي جديد يعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة.

ثانياً - "على حساب محاور انتهت صلاحيتها": هذه العبارة ليست عفوية. إنها إشارة واضحة إلى أن التحالف العربي التقليدي بقيادة السعودية لم يعد يخدم المصالح الإماراتية، وأن أبوظبي تسعى لبناء محور بديل يضم إسرائيل كشريك أساسي.

ثالثاً - التوقيت الفاضح: جاءت التغريدة بعد أقل من عامين من إعلان الانسحاب من اليمن، مما يؤكد أن الانسحاب كان مناورة تكتيكية لإعادة التموضع ضمن تحالفات جديدة، وليس تخلياً عن الطموحات في المنطقة.

رابعاً - اعتراف بالصراع: استخدام عبارة "على حساب" يعني صراحة أن المشروع الإماراتي-الإسرائيلي الجديد سيكون على حساب دول ومحاور أخرى، وفي مقدمتها المحور السعودي-المصري التقليدي.

إن هذه التغريدة، الصادرة عن أحد أبرز المفكرين الاستراتيجيين الإماراتيين، تمثل "اعترافاً علنياً" بأن الانسحاب من اليمن عام 2019 لم يكن نهاية للدور الإماراتي، بل كان إعادة تموضع استراتيجية ضمن تحالف جديد يضع إسرائيل في قلب الأمن الإقليمي، على حساب الشركاء التقليديين.

اتفاقيات إبراهيم كإطار لإعادة صياغة الأمن الإقليمي

لم تكن "اتفاقيات إبراهيم" التي وقعت في سبتمبر 2020 مجرد صلح ديبلوماسي بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، بل كانت حجر الأساس لتحالف أمني واستخباراتي عابر للحدود يهدف إلى مواجهة النفوذ الإيراني وتطويق المملكة العربية السعودية من الجنوب لتصبح محاصرة بين فوضى الهلال الخصيب وفوضى الهلال الجنوبي.

بالنسبة للإمارات، وفرت هذه الاتفاقيات شريكاً تكنولوجياً وعسكرياً متطوراً (إسرائيل) يشاركها الطموح في السيطرة على العقد البحرية في باب المندب وخليج عدن. وبالنسبة لإسرائيل، كانت الاتفاقيات بوابة للخروج من عزلتها الجغرافية والوصول إلى نقاط مراقبة استراتيجية لم تكن تحلم بها، مثل جزيرة سقطرى اليمنية وبربرة في "أرض الصومال" لتشكل ضغطاً على المحور العربي السعودية-مصر.

تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن التعاون الإماراتي-الإسرائيلي في الجزر اليمنية بدأ يأخذ طابعاً مؤسسياً منذ عام 2022، حيث تم تركيب رادارات إسرائيلية ومنظومات مراقبة إلكترونية في مواقع يشرف عليها المجلس الانتقالي الجنوبي. هذا التعاون الفني مهد الطريق للتحولات السياسية الكبرى التي شهدها عام 2025، حيث بدأ القادة الجنوبيون يتحدثون علناً عن رغبتهم في الانضمام إلى "اتفاقيات إبراهيم" مقابل دعم إسرائيلي لمشروع الانفصال.

تصعيد المجلس الانتقالي الجنوبي: الانفصال مقابل التطبيع (سبتمبر 2025)

في سبتمبر 2025، وأثناء وجوده في نيويورك للمشاركة في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أطلق عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي ونائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، سلسلة من التصريحات الصادمة التي كشفت بوضوح عن جوهر المقايضة التي يسعى إليها.

في مقابلة مع صحيفة "ذا ناشيونال" البريطانية، أكد الزبيدي أن دولة الجنوب القادمة ستكون شريكاً أساسياً في "اتفاقيات إبراهيم"، موضحاً أن التوجه نحو التطبيع مع إسرائيل كان جارياً بالفعل قبل أحداث غزة، وأنه سيستأنف بمجرد استعادة دولة الجنوب لسيادتها.

لم تكن تصريحات الزبيدي مجرد بالون اختبار سياسي، بل كانت تعبيراً عن "تحالف الضرورة" الذي تشكل بين المجلس الانتقالي والجانب الإسرائيلي برعاية إماراتية. لقد عرض الزبيدي في خطابه أمام مجلس الأمن الدولي في 24 سبتمبر 2025 رؤية لجنوب يمني مستقل يعمل كحائط صد ضد الحوثيين ويوفر الحماية للملاحة الدولية، وهو ما يتقاطع تماماً مع المصالح الأمنية الإسرائيلية.

كما حذر الزبيدي من خطر استخدام الحوثيين للذكاء الاصطناعي في هجماتهم البحرية، في محاولة لاستقطاب الدعم الغربي والإسرائيلي التكنولوجي لقواته.

أثارت هذه التصريحات موجة غضب عارمة داخل اليمن وفي المحيط العربي، حيث اعتبرت خيانة للقضية الفلسطينية ومقايضة رخيصة للحقوق الوطنية بمكاسب سياسية انفصالية. ومع ذلك، كان الزبيدي يراهن على أن الدعم الإسرائيلي سيوفر له الحماية الدولية والاعتراف الذي فشل في الحصول عليه من القوى التقليدية، وهو نفس المسار الذي اتبعته "أرض الصومال" لاحقاً.

التصعيد المتسارع: خمسة أيام غيرت خريطة المنطقة (25-30 ديسمبر 2025)

اليوم الأول - الخميس 25 ديسمبر: التحذير الأخير

أصدرت وزارة الخارجية السعودية بياناً حاسماً حذرت فيه من التحركات العسكرية الأحادية للمجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي حضرموت والمهرة. جاء في البيان أن هذه التحركات تمت بشكل أحادي دون موافقة مجلس القيادة الرئاسية أو التنسيق مع قيادة التحالف، مما أدى إلى تصعيد غير مبرر يهدد بمصالح الشعب اليمني بمختلف فئاته والقضية الحيوية ووجود التحالف.

أكدت المملكة في بيانها على أهمية التركيز على وحدة الصف وبذل كافة الجهود للوصول إلى حلول سلمية لمعالجة الأوضاع في المحافظتين. وفي هذا الإطار، عملت المملكة مع دولة الإمارات ورئيس مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية الشقيقة لاحتواء الموقف، وجرى إرسال فريق عسكري مشترك من السعودية والإمارات لوضع الترتيبات اللازمة.

كان هذا آخر إنذار سعودي قبل أن تنفجر الأزمة بشكل كامل.

اليوم الثاني - الجمعة 26 ديسمبر: الرد الإسرائيلي الاستفزازي

بعد أقل من 24 ساعة من التحذير السعودي، وفي خطوة تبدو كـ"رد متعمد" على الضغوط السعودية، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعتراف الرسمي بجمهورية "أرض الصومال" (صوماليلاند) كدولة مستقلة ذات سيادة.

قراءة التوقيت:

إن اختيار هذا التوقيت المحدد، بعد يوم واحد فقط من التحذير السعودي، يكشف عن:

أولاً - رسالة واضحة للرياض: "نحن (محور إبراهيم) قادرون على تغيير الخرائط الجيوسياسية دون استئذانكم"

ثانياً - دعم مباشر للمجلس الانتقالي: الاعتراف بكيان انفصالي في القرن الأفريقي يرسل إشارة تشجيع واضحة للانفصاليين في جنوب اليمن بأن "الاعتراف الدولي ممكن"

ثالثاً - إظهار قوة المحور الجديد: الرسالة هي أن اتفاقيات إبراهيم قادرة على تجاوز القرارات الأممية والإجماع الدولي وفرض واقع جديد

رابعاً - استفزاز متعمد: اختيار هذا التوقيت بالذات يمثل تحدياً صريحاً للسعودية: "نحن لا نكترث لتحذيراتكم"

تعتبر "أرض الصومال" (Somaliland) إقليماً انفصل عن الصومال في عام 1991، ورغم نجاحه في بناء مؤسسات حكم مستقرة، إلا أنه ظل يفتقر للاعتراف الدولي من أي دولة عضو في الأمم المتحدة حتى الخطوة الإسرائيلية.

الأبعاد الاستراتيجية للاعتراف الإسرائيلي

إن الاعتراف الإسرائيلي ليس مجرد لفتة ديبلوماسية، بل هو جزء من استراتيجية "التطويق الجيوسياسي" التي تهدف إلى:

  • تأمين قاعدة بربرة العسكرية: يمتلك ميناء بربرة واحداً من أطول المدارج الجوية في أفريقيا، وهو موقع مثالي لإطلاق العمليات الجوية والبحرية ضد التهديدات في البحر الأحمر.
  • خلق بديل لـ "جيبوتي": مع تزايد النفوذ الصيني في جيبوتي، تسعى إسرائيل والولايات المتحدة لإيجاد موطئ قدم بديل في أرض الصومال يكون أكثر استجابة للمصالح الإسرائيلية.
  • مشروع إعادة توطين الفلسطينيين: كشفت تقارير عديدة أن الاعتراف بـ "أرض الصومال" كان مشروطاً بقبولها خطة لاستيعاب أعداد كبيرة من الفلسطينيين المهجرين قسراً من قطاع غزة.
  • مواجهة النفوذ التركي والمصري: يعتبر القرن الأفريقي منطقة نفوذ تقليدي لمصر وتركيا؛ لذا فإن الوجود الإسرائيلي هناك يهدف لخلخلة هذا النفوذ.

اليوم الثالث - السبت 27 ديسمبر: المواجهة العلنية

في فجر اليوم التالي (الساعة 1:30 صباحاً)، وبعد يوم واحد من الاعتراف الإسرائيلي، نشر الدكتور عبدالخالق عبدالله تغريدته الاستفزازية الصريحة:

هذه التغريدة تمثل "الإعلان الرسمي للمواجهة" من الجانب الإماراتي. جاءت بعد يوم من الاعتراف الإسرائيلي، وبعد يومين من التحذير السعودي، وقبل ثلاثة أيام من الضربة العسكرية.

القراءة التحليلية للتغريدة:

أولاً - إعلان رسمي بنهاية التحالف: عبارة "التحالف العربي الذي انتهى عملياً منذ 2019" ليست مجرد رأي شخصي، بل هي موقف رسمي إماراتي يعلن صراحة أن أبوظبي لم تعد تعتبر نفسها جزءاً من التحالف منذ لحظة "الانسحاب" في 2019.

ثانياً - الدفاع العلني عن الانفصال: جملة "شعب الجنوب العربي وحده يقرر مستقبله" هي دعوة صريحة للانفصال وإنهاء أي دور للحكومة الشرعية أو للسعودية في تقرير مصير الجنوب.

ثالثاً - التحدي المباشر والسخرية: عبارة "حرر صنعاء أولاً يا بطل" ليست مجرد سخرية، بل هي تحدٍ صريح للقيادة السعودية وتقليل من شأن جهودها في مواجهة الحوثيين.

رابعاً - التهديد الضمني: وصف التحذير السعودي بأنه "جنون" و"تهديد بعمل عسكري" يكشف أن الإمارات كانت مستعدة تماماً للمواجهة العسكرية.

اليوم الرابع والخامس - الاثنين والثلاثاء 28-29 ديسمبر: الهدوء الذي يسبق العاصفة

يومان من الصمت السعودي الذي فُسر خطأً على أنه "تراجع" أو "تردد". لكن في الواقع، كانت الرياض تُعد رداً حاسماً ينهي كل الحسابات الخاطئة.

اليوم السادس - الثلاثاء 30 ديسمبر: يوم القطيعة

الفجر: الضربة العسكرية

نفذت القوات الجوية السعودية ضربة جوية محدودة على ميناء المكلا في محافظة حضرموت، استهدفت شحنات أسلحة ومعدات عسكرية إماراتية وصلت لتوها لدعم المجلس الانتقالي. أعلن التحالف أن الضربة كانت "وقائية" وتهدف لمنع تصعيد أوسع بعد أن لم تستجب الأطراف المعنية للتحذيرات المتكررة.

أثارت الضربة حالة من الذعر والاحتجاجات في صفوف أنصار المجلس الانتقالي الذين وصفوا الخطوة السعودية بأنها "عدوان" ينهي الشراكة التاريخية. ومن منظور استراتيجي، كانت هذه الضربة هي "إعلان النهاية" للتحالف العربي الذي تشكل في 2015.

الصباح: إنهاء اتفاقية الدفاع المشترك

أصدرت وزارة الخارجية السعودية بياناً تاريخياً أعلنت فيه إنهاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات، وإنهاء مذكرة التفاهم الأمني والعسكري، وسحب جميع التسهيلات العسكرية والأمنية الممنوحة للإمارات.

جاء في البيان أن هذا القرار اتخذ بعد أن تبين أن الإمارات مستمرة في دعم المجلس الانتقالي الجنوبي بالسلاح والتمويل، وهو ما يهدد السلم والأمن في اليمن والمنطقة، ويتناقض مع التزامات الإمارات السابقة.

المساء: الرد الإماراتي - إعلان المواجهة المفتوحة

بعد ساعات من الضربة الجوية السعودية وإعلان إنهاء اتفاقية الدفاع المشترك، نشر الدكتور عبدالخالق عبدالله تغريدة تمثل إعلان حرب رسمياً من الجانب الإماراتي:

"الهجوم العسكري الصارخ على ميناء في الجنوب العربي ليس ببطولة ورئيس المجلس الرئاسي اليمني انتهت صلاحيته وفقد شرعيته وبياناته مكانها سلة النفايات

لمن يهمه الأمر:
1. الإمارات لا تعتذل ولا تتعلى عن حلفائها
2. ندعمهم بكرم وسخاء سياسي وعسكري
3. لا نتركهم في منتصف الطريق يواجهون مصيرهم بدون سند
4. واضحة في سياساتها وخطواتها
5. لا تهرب ولا تتهرب من المواجهة
6. لديها رؤية واضحة لمسؤوليتها القومية والإنسانية وتؤديها بحرص شديد"

التحليل العميق للتغريدة:

أولاً - إسقاط الشرعية اليمنية بالكامل: وصف رئيس مجلس القيادة الرئاسي بأنه "انتهت صلاحيته"، "فقد شرعيته"، "بياناته مكانها سلة النفايات". هذا إعلان رسمي بأن الإمارات لم تعد تعترف بالحكومة الشرعية اليمنية.

ثانياً - الاعتراف العلني بالدعم العسكري المباشر: "ندعمهم بكرم وسخاء سياسي وعسكري" - اعتراف رسمي وعلني بأن الإمارات تدعم المجلس الانتقالي عسكرياً، وأن الدعم مستمر وكريم.

ثالثاً - تعهد بعدم التخلي عن الحلفاء: "لا نتركهم في منتصف الطريق"، "لا تهرب ولا تتهرب من المواجهة" - رسالة واضحة للسعودية بأن الإمارات مستعدة للمواجهة الطويلة.

رابعاً - مفهوم "المسؤولية القومية": استخدام مصطلح "المسؤولية القومية" يضع الإمارات كـ"راعٍ قومي" للجنوب اليمني، متجاوزاً مفهوم السيادة اليمنية.

الخلاصة: يوم غير التاريخ

إن 5 أيام فقط (25-30 ديسمبر 2025) كانت كافية لـ:

  • كشف المخطط الإماراتي-الإسرائيلي بالكامل
  • إنهاء تحالف استمر 10 سنوات (2015-2025)
  • إعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة
  • تحويل البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مفتوحة

هذا التسلسل ليس عشوائياً، بل يكشف عن تنسيق إماراتي-إسرائيلي محكم في التوقيت، واستفزاز متعمد للسعودية لدفعها للرد، ورهان خاطئ على أن الرياض لن تجرؤ على الضربة، وانهيار نهائي للتحالف العربي.

ردود الفعل الإقليمية والدولية: عزلة إسرائيل وتوجس الإمارات

قوبل الاعتراف الإسرائيلي بـ "أرض الصومال" والتحركات في جنوب اليمن بعاصفة من التنديد الدولي غير المسبوق. أصدرت الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي بيانات شديدة اللهجة ترفض المساس بوحدة الأراضي الصومالية واليمنية، معتبرة الخطوة الإسرائيلية انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة.

  • الصومال (مقديشو): رفض قاطع واعتبار الخطوة "عدواناً"، استدعاء السفراء وطلب اجتماع طارئ لمجلس الأمن.
  • مصر: تنديد شديد وتحذير من الفوضى، الدعوة لقمة أفريقية طارئة ورفض أي مساس بحدود الدول.
  • تركيا: رفض قاطع ودعم وحدة الصومال، تعزيز الوجود العسكري في مقديشو ودعم الجيش الصومالي.
  • السعودية: رفض "الكيانات الموازية" ودعم الشرعية، تنفيذ ضربة المكلا وتجميد التفاهمات الأمنية مع الوكلاء.
  • إيران/الحوثيون: وعيد عسكري واعتبار الكيانات "أهدافاً"، التهديد بضرب أي وجود إسرائيلي في "أرض الصومال".

في مجلس الأمن الدولي، دافعت الولايات المتحدة عن موقف إسرائيل بشكل جزئي، منتقدة عقد جلسة طارئة لمناقشة الاعتراف بـ "أرض الصومال".

المخطط الإماراتي-الإسرائيلي: قراءة بين السطور

إن الربط بين الأحداث يكشف عن هيكلية دقيقة للمخطط تهدف إلى تحقيق أربعة أهداف استراتيجية كبرى:

1. السيطرة على "مثلث الملاحة الذهبي"

يهدف المخطط إلى إحكام القبضة على ثلاثة مواقع مفتاحية: بربرة (أرض الصومال)، عدن/المكلا (جنوب اليمن)، وسقطرى (المحيط الهندي). من يسيطر على هذا المثلث يتحكم فعلياً في شريان التجارة العالمي الواصل بين الشرق والغرب.

2. شرعنة "الاعتراف الوظيفي" بالكيانات الانفصالية

تستخدم إسرائيل والإمارات نموذجاً جديداً في العلاقات الدولية يعتمد على "الاعتراف الوظيفي"؛ أي التعامل مع الكيان الانفصالي كدولة حقيقية في مجالات الأمن والتجارة والتكنولوجيا دون الحاجة لاعتراف أممي كامل.

3. تصدير الأزمات السكانية (خطة التوطين)

يمثل ملف غزة "القيمة المضافة" التي قدمتها إسرائيل للإمارات والولايات المتحدة لإقناعهم بضرورة الاعتراف بـ "أرض الصومال". إن تحويل القرن الأفريقي إلى "مستودع بشري" للمهجرين الفلسطينيين ينهي الصراع الديموغرافي داخل فلسطين المحتلة.

4. عزل المملكة العربية السعودية إقليمياً

من خلال بناء تحالفات مع كيانات في "الحديقة الخلفية" للمملكة (اليمن والصومال)، تسعى الإمارات وإسرائيل لتقليص قدرة الرياض على القيادة الإقليمية. إن وجود رادارات وقواعد إسرائيلية في سقطرى وبربرة والمكلا يعني أن التحركات العسكرية السعودية ستكون تحت المجهر الإسرائيلي على مدار الساعة.

التداعيات المستقبلية (2026 وما بعدها)

تشير المعطيات إلى أن عام 2026 سيكون عام "المواجهة الصفرية". إن انسحاب الإمارات المعلن في 30 ديسمبر 2025 لا يعني تخليها عن المشروع، بل يعني انتقالها للعمل "من خلف الستار" وبشكل أكثر عدوانية عبر تمويل المليشيات الانفصالية.

ومن المتوقع أن تشهد المنطقة السيناريوهات التالية:

  • حرب استنزاف في حضرموت والمهرة: ستحاول القوات المدعومة إماراتياً الرد على الضربة السعودية عبر عمليات نوعية تستهدف "قوات درع الوطن" والوحدات الموالية للشرعية والرياض.
  • انفجار الصراع في القرن الأفريقي: قد تضطر الحكومة الصومالية في مقديشو، بدعم من تركيا ومصر، للقيام بعملية عسكرية لاستعادة السيطرة على الموانئ في "أرض الصومال"، مما قد يؤدي لتدخل إسرائيلي-إماراتي مباشر.
  • تشكل "محور المقاومة": قد تجد السعودية ومصر وتركيا أنفسهم في خندق واحد لمواجهة "التمدد الصهيوني-الانفصالي"، مما قد يعيد صياغة التحالفات في المنطقة بعيداً عن الاستقطاب التقليدي.
  • تهديد الملاحة الدولية: إن تحول الكيانات الانفصالية إلى "قواعد إسرائيلية" سيجعلها هدفاً دائماً للصواريخ والمسيّرات الحوثية والإيرانية، مما قد يؤدي لإغلاق باب المندب لفترات طويلة وتضرر الاقتصاد العالمي بشكل غير مسبوق.

الخاتمة

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صدفة سياسية، بل هو تطبيق حرفي لمخطط "إعادة رسم خريطة المنطقة وفق الرؤية الإسرائيلية" الذي بدأ بـ "الانسحاب المزعوم" في 2019 وانتهى بـ "المواجهة المباشرة" في 2025.

لقد أثبتت أحداث ديسمبر 2025 أن الأطماع الجيوسياسية قد تجاوزت حدود التحالفات القديمة، وأن المنطقة مقبلة على صراع هويات وجودي. إن صمود الدولة الوطنية في اليمن والصومال يمثل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي العربي؛ وأي تهاون في مواجهة الاعترافات الأحادية والكيانات الموازية سيعني بالضرورة تحويل البحر الأحمر إلى "بحيرة إسرائيلية-إماراتية" بامتياز، مع ضياع حقوق الشعوب في السيادة والتقرير الحر لمصيرها بعيداً عن صفقات "التطبيع مقابل الانفصال".

التغريدات الثلاث للدكتور عبدالخالق عبدالله - من أبريل 2021 إلى ديسمبر 2025 - تمثل "الاعتراف العلني" بمخطط امتد لسنوات، بدأ بإعلان "محور جديد على حساب محاور قديمة"، ومر بإعلان "نهاية التحالف منذ 2019"، وانتهى بـ"الدعم العسكري الكريم" للانفصال و"عدم التهرب من المواجهة".

إن الأيام الخمسة (25-30 ديسمبر 2025) لم تكن مجرد نقطة تحول في تاريخ المنطقة، بل كانت "لحظة القبض على المتلبس بالجريمة". لقد انكشف المخطط الإماراتي بالكامل، وتم ضبط الإمارات متلبسة بجريمة تفتيت اليمن ودعم الانفصال عسكرياً، لزرع خناجر الغدر في خواصر الامه من تحت المظلة الإبراهيمية. سقطت كل الأقنعة، وظهرت الحقيقة عارية: محور جديد يضع إسرائيل في قلب الأمن الإقليمي، ويستخدم الكيانات الانفصالية كأدوات لتطويق الدول العربية، ويحول البحر الأحمر من ممر ملاحي آمن إلى ساحة صراع مفتوحة قد تستمر لعقود قادمة.

إن التاريخ سيسجل أن الضربة السعودية في المكلا لم تكن مجرد رد عسكري على تجاوزات المجلس الانتقالي، بل كانت "ضبط الجريمة في موقعها" - القبض على شحنات السلاح الإماراتي وهي في طريقها لتسليح الانفصال، وتوثيق الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال كجزء من نفس المخطط، وتسجيل التصريحات العلنية للمستشار الإماراتي كدليل إدانة لا يمكن إنكاره.

لقد سقط تحالف عمره عشر سنوات، ليس بسبب خلافات سياسية عابرة، بل لأن أحد أطرافه كان يعمل منذ 2019 على بناء محور مضاد تحت غطاء "الشراكة"، وتم ضبطه متلبساً بخيانة الأمانة وتقويض الأمن القومي العربي تحت راية "اتفاقيات إبراهيم".

انتهى التقرير

تنويه: هذا تحليل سياسي يعبر عن رأي الكاتب ويستند إلى الأحداث الموثقة والتصريحات لمعلنه

تعليقات

المشاركات الشائعة