سقوط القناع: من “الشراكة” إلى التوظيف
قراءة في دلالات التراجع السياسي
بقلم: إبراهيم الغامدي
لا تكشف التحالفات عن حقيقتها في لحظات التوافق، بل في لحظات الاختبار. وما صدر عن عبدالخالق عبدالله، ثم ما أعقبه من حذف وتنصل، لم يكن زلة عابرة، بل لحظة كاشفة اختصر فيها الخطاب ما حاولت الممارسة إخفاءه طويلاً.
1. الاعتراف بالنهاية: تفكك مفهوم “وحدة الهدف”
حين يصرّح أحد أبرز الأصوات السياسية المحسوبة على أبوظبي بأن “التحالف العربي انتهى عملياً منذ 2019”، فإننا لا نكون أمام رأي شخصي، بل أمام إقرار سياسي بالغ الخطورة.
هذا التصريح يعني أن الاستمرار الميداني بعد ذلك التاريخ لم يكن قائماً على شراكة استراتيجية، بل على تباين أهداف، وربما على توظيف غطاء التحالف لتمرير أجندات منفصلة عن هدف استقرار اليمن وأمن الإقليم.
2. استهداف الرموز السيادية: حين تغيب الحجة
وصف رسالة سمو الأمير خالد بن سلمان بأنها “جنون” لا يمكن قراءته إلا بوصفه انزلاقاً خطابياً يعكس عجزاً عن مناقشة المضمون. فالسياسة تُناقش بالحجج، لا بالتوصيفات الانفعالية.
في السياق السياسي، لا يُستخدم هذا النوع من اللغة إلا عندما تُصاب الحسابات بالارتباك، خصوصاً حين تتزامن مع تحركات سعودية أعادت ضبط إيقاع الملف اليمني.
3. “حرروا صنعاء أولاً”: تحويل مسار النقاش
عبارة “حرروا صنعاء أولاً” ليست طرحاً استراتيجياً جديداً، بل إعادة إنتاج لخطاب يُستخدم لتحويل النقاش من تفكيك الجنوب إلى استنزاف الشمال.
هذه المناورة الخطابية تهدف إلى تأجيل الأسئلة الحرجة حول المجلس الانتقالي، ودوره، ومصادر قوته، عبر إلقاء العبء كاملاً على معركة أعقد من أن تُختزل في شعار.
دلالات الحذف: حين يصبح التراجع رسالة
الأكثر دلالة من التغريدة نفسها هو حذفها، ثم توصيفها بأنها “رأي شخصي لا يمثل القيادة”. في العمل السياسي، الآراء الشخصية لا تُحذف، بل تُترك لتموت بالصمت.
الذي يُحذف هو ما قيل في توقيت خاطئ، أو كشف أكثر مما ينبغي.
- إدراك بأن سقف التصعيد تجاوز المسموح به.
- محاولة احتواء أثر رسالة سعودية وصلت بوضوح.
- تأكيد أن ما قيل لا يمكن الدفاع عنه علناً.
الخلاصة
ما جرى ليس سجالاً إعلامياً، بل لحظة انكشاف. فالمملكة العربية السعودية لا تدير تحالفات ظرفية، بل تتحرك انطلاقاً من مفهوم الأمن القومي العربي واستقرار الدول، لا تفكيكها.
أما المشاريع التي تقوم على الوكلاء، وتختبئ خلف الشعارات، فإنها غالباً ما تتعثر عند أول مواجهة مع قرار سيادي واضح.
في السياسة، ليس أخطر ما يُقال هو ما يُنشر، بل ما يُحذف بعد أن يقول الحقيقة قبل أوانها.


تعليقات
إرسال تعليق