من يصنع 'الإرهابيين'؟

من يصنع 'الإرهابيين'؟ حين يحاسبك صانع الأزمة

حين يحاسبك صانع الأزمة


1. 🎯 المقدمة: السؤال المحرج الخاطئ والمحاسبة الذاتية

في مقابلة عكست بوضوح ازدواجية المعايير، وجهت الإعلامية المخضرمة كريستيان أمانبور سؤالها المعتاد إلى أحمد الشرع، القائد الفعلي لسوريا حالياً: "كيف لإرهابي سابق عمل مع القاعدة أن يحكم؟"

قد يبدو السؤال محرجاً، ولكنه في الحقيقة سؤال خاطئ ومتهرب من المسؤولية. فالسؤال الحقيقي الذي كان يجب على أمانبور، بصفتها ممثلة لإعلام غربي، أن تطرحه أولاً هو: "من الذي صنع القاعدة أصلاً؟ ومن الذي خلق الفراغ السياسي والعسكري الذي دفع ثواراً سوريين للاستنجاد بها؟"

هذا المقال ليس دفاعاً أعمى عن قائد، بل هو محاولة لوضع الأمور في سياقها التاريخي الكامل، وكشف التناقض الصارخ في محاسبة الضحية على خيارات فرضتها سياسات غربية قصيرة النظر، بينما يُعفى صانع الأزمة من المساءلة.


2. 🛠️ صناعة "الإرهاب" - دروس من أفغانستان

عندما نتحدث عن القاعدة كخلفية لـ "ماضي" أحمد الشرع، يجب أن نعود إلى أصل المشكلة: القاعدة ليست ظاهرة عفوية، بل هي نتاج مباشر لبرنامج دعم غربي.

المشروع الأمريكي في أفغانستان (1979-1989):

  • عملية "سيكلون": ضخت الولايات المتحدة مليارات الدولارات لدعم ما سُمي "المجاهدون" الأفغان ضد السوفيت.
  • تم تسليح وتدريب عشرات الآلاف من المقاتلين بأموال غربية وعربية.
  • تم تشجيع التفسيرات المتشددة للجهاد في المناهج التعليمية التي طُبعت في الجامعات الأمريكية، بهدف خلق مقاتلين شرسين.
  • أسامة بن لادن نفسه كان جزءاً من هذه المنظومة المُدعومة.

الخلاصة: القاعدة ليست ظاهرة عفوية، بل هي نتاج مباشر لمشروع أمريكي قصير النظر استخدم الدين كأداة سياسية، ثم تخلى عن المنطقة بعد تحقيق هدفه.


3. 📉 نمط التخاذل المتكرر - الاستخدام ثم التخلي

ما حدث في أفغانستان تكرر بنمط كارثي في المنطقة، وكان التخاذل الغربي في سوريا هو الخيانة الكبرى التي خلقت الظروف التي أجبرت القادة المحليين على خيارات صعبة.

سوريا (2011-2024): الخيانة الكبرى

وعد الغرب بـ"الدعم" وحماية الثورة السلمية، لكنه لم يحرك ساكناً رغم تجاوز النظام "للخطوط الحمراء" باستخدام الأسلحة الكيماوية مراراً وتكراراً.

النتيجة الحتمية: الفراغ الهائل الذي صنعه التخاذل الغربي ملأته الجماعات المتطرفة الوحيدة التي كانت تمتلك التمويل، والسلاح، والخبرة القتالية، والاستعداد الأيديولوجي لمواجهة وحشية النظام.


4. 🧭 أحمد الشرع - براغماتية القائد العسكري

محاسبة أحمد الشرع تتجاهل السياق المعقد لقراراته. كان الخيار أمامه ليس بين "الخير والشر" بل بين "البقاء والفناء".

القرار الصعب والانفصال الدامي:

  • الخيار البراغماتي: اضطر القائد العسكري إلى الاستعانة بالمظلة الوحيدة التي تملك القوة والموارد الكافية (القاعدة آنذاك) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من شعبه.
  • الانفصال الدامي (2016-2017): عندما أصبح قوياً بما يكفي، أعلن الانفصال رسمياً عن القاعدة وذراعها في سوريا، ودخل في صدامات مسلحة عنيفة مع التنظيم. هذا الإجراء هو الدليل المادي الأقوى على أن التحول لم يكن مجرد "ريبراندينغ" إعلامي، بل خيار وطني حقيقي.

الفتح النهائي (ديسمبر 2024): الامتحان الحقيقي

سلوك قواته في الفتح الأخير هو المعيار الحقيقي: تم دخول حلب، حماة، حمص، دمشق بأقل قدر من الدمار، مع حماية للأقليات وصد لدعوات الانتقام الطائفي. هذا السلوك موثق ويؤكد التحول نحو مشروع وطني شامل.


5. 🎭 من يحق له المحاسبة؟ ازدواجية المعايير الفاضحة

الإعلامية التي تمثل منظومة إعلامية غربية تحاسب الشرع على "ماضيه الإرهابي"، لكنها:

  • لا تحاسب: السياسات الأمريكية التي صنعت القاعدة أصلاً.
  • لا تحاسب: التخاذل الغربي الذي خلق الفراغ في سوريا.
  • تتجاهل: علاقات الغرب بطالبان الآن بعد أن كانوا "إرهابيين".
  • تتجاهل: الدعم الأمريكي المستمر لإسرائيل رغم قتل عشرات الآلاف من الأبرياء في غزة.

المنطق المقلوب: أمريكا تصنع بنية تحتية للتطرف وتخلق الفراغات، ثم تعود لتحاسب قادة محليين اضطروا للاستعانة بهذه الأدوات للبقاء. هذا ليس عدلاً، هذا نفاق سياسي صارخ.


6. 📜 المعايير العادلة للتقييم والدروس التاريخية

بدلاً من الإحراج بالماضي، يجب المحاسبة على المستقبل:

ما يحق للعالم مطالبته:

  • الضمانات الدستورية: دستور يحمي حقوق جميع المواطنين والأقليات.
  • السياسات العملية: إشراك جميع المكونات في الحكم وحماية فعلية لحقوق المرأة.
  • الالتزامات الدولية: احترام القانون الدولي والعدالة الانتقالية.

التاريخ يعيد نفسه:

تذكروا أن قادة التحرر يخضعون لمعايير مختلفة. نيلسون مانديلا كان على قوائم الإرهاب الأمريكية حتى 2008، وأصبح رمزاً عالمياً للسلام. الدرس: الأفعال الحالية والمستقبلية هي المعيار الحقيقي.


7. 💥 صنعتم "الفوضى الخلاقة"... فلماذا تذعرون من نتائجها؟

كوندوليزا رايس (2005): "نحتاج إلى فوضى خلاقة في الشرق الأوسط لإنتاج ديمقراطية جديدة."

هنا تكمن المفارقة الأكثر سخرية. الغرب أراد "فوضى خلاقة" تخدم أجندته، لكنه صُدم عندما الشعوب استفادت من الفوضى لتحرير نفسها، وظهر قادة محليون تعلموا من الأدوات التي صنعها الغرب ثم وظفوها لمشاريع وطنية خالصة.

أحمد الشرع: نتاج "الفوضى الخلاقة" لكن خارج السيطرة

استخدم الشرع البنية التحتية التي صنعها الغرب، تعلم منها، ثم انفصل عنها عندما لم تعد تخدم المشروع الوطني. بنى مشروعاً سورياً خالصاً وحرر بلاده من أبشع نظام استبدادي.

لماذا يُزعج هذا الغرب؟ لأنه لم يعد قابلاً للسيطرة. لم يصبح "إرهابياً" يمكن استخدامه ككبش فداء، ولم يصبح "ديمقراطياً ليبرالياً" يسير في الركاب الغربي.

أصبح قائداً وطنياً مستقلاً، وهذا أسوأ كابوس للمشروع الغربي في المنطقة.


8. 📣 الخلاصة: الرد الحقيقي والمساءلة العادلة

السيدة أمانبور، الرد على سؤالك المحرج بسيط:

  • أولاً: من صنع "الإرهابيين" والفوضى؟ بلادك صنعت القاعدة وروجت لمشروع "الفوضى الخلاقة". الشرع نجح في البقاء والتكيف معها.
  • ثانياً: ما الذي فعله بعد ذلك؟ خرج من رحم هذه الفوضى كقائد وطني مستقل. انفصل عن القاعدة بشكل دامٍ، وبنى مؤسسات حكم محلي، وحرر مدناً كاملة دون انتقام طائفي.
  • النتيجة: هذا ليس سلوك "إرهابي" يخدم الأجندات العالمية، بل سلوك قائد وطني يزعجكم لأنه غير قابل للسيطرة.

الرسالة الأخيرة:

إن محاولة إحراج قائد خرج من جحيم حرب استمرت 13 عاماً، بسبب خيارات فرضها تخاذل دولي وسياسات غربية قصيرة النظر - هذه المحاولة لن تنجح.

الشعب السوري سيحاسب قيادته بنفسه. وإذا التزم أحمد الشرع بالعدل وحماية الجميع، فسيُثبت أن مسيرته كانت تحريراً حقيقياً. أما الإعلام الغربي، فليتوقف عن النفاق، وليحاسب سياسات بلاده أولاً، قبل أن يحاسب ضحاياها.

تعليقات

المشاركات الشائعة