فخ البيت الإبراهيمي
قراءة في تزييف الوعي وتطويق الأمن القومي العربي
بقلم: إبراهيم الغامدي
مقدمة الكاتب
ما سيرد في هذه السطور هو تحليل استراتيجي يستند إلى قراءة متأنية لمسار الأحداث الجيوسياسية في المنطقة، ويعبّر عن رؤية شخصية تحتمل الخطأ والصواب، كما هو شأن أي اجتهاد فكري. ومن هذا المنطلق، أترك للقارئ الكريم مساحة التفكّر والتمحيص، بعيدًا عن الانسياق خلف العناوين الصاخبة أو السرديات الجاهزة، خصوصًا تلك التي تحاول تصوير العلاقة بين مصر والسعودية وكأنها تمر بمرحلة صدام أو قطيعة، في حين أن الواقع أكثر تعقيدًا وأبعد ما يكون عن هذا التبسيط المخل.
أولاً: وهم التراشق الإعلامي
في خضم التوترات الإقليمية المتلاحقة، برز على منصات التواصل الاجتماعي خطاب مشحون يتبادل فيه بعض المصريين والسعوديين الاتهامات والسباب، وكأننا أمام صراع شعبي حقيقي. غير أن التمحيص في طبيعة هذا الخطاب، وتوقيته، وأنماط انتشاره، يكشف أن نسبة معتبرة من الحسابات المحرّضة هي حسابات وهمية أو مُدارة آليًا، تتقمص هويات وطنية لا تمت بصلة حقيقية لا لمصر ولا للسعودية.
الشق الأخطر لا يكمن في هذه الحسابات نفسها، بل في انجراف قطاع من المستخدمين الحقيقيين خلف هذا الاستفزاز العاطفي، بعيدًا عن التحليل العقلاني. والنتيجة هي خلق توتر مصطنع يخدم أطرافًا إقليمية بعينها، تسعى إلى إضعاف ما يمكن وصفه بـ"عمود الخيمة" في النظام العربي، أي التفاهم الاستراتيجي بين الرياض والقاهرة، تمهيدًا لتمرير أجندات تتجاوز مصالح الدولتين وشعوبهما.
ثانيًا: السعودية ومصر.. رهان الاستقرار مقابل منطق الاستثمار الضاغط
من الضروري التفريق بين مفهوم "الدولة القائدة" ومفهوم "الدولة الوظيفية" في العلاقات الدولية. فالسعودية، بوصفها قوة اقتصادية وسياسية فاعلة ضمن مجموعة العشرين، تبنّت تاريخيًا نهج دعم استقرار الدول العربية المركزية، وعلى رأسها مصر، دون أن تقرن هذا الدعم بأطماع سيادية أو محاولات للهيمنة على القرار الوطني.
في المقابل، يبرز نمط مختلف في إدارة النفوذ، يقوم على توظيف الاستثمارات كأداة ضغط اقتصادي ناعم، يفضي إلى اختلال في ميزان الشراكة، خصوصًا حين يتم الاستحواذ على أصول استراتيجية في دول تمر بأزمات خانقة، وبشروط لا تعكس قيمتها الحقيقية ولا تخدم المصلحة القومية بعيدة المدى. هذا النمط لا يمكن عزله عن سياق أوسع من إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي وفق حسابات ضيقة، لا تنسجم بالضرورة مع مفهوم الأمن القومي العربي الجماعي.
ثالثًا: صناعة الدول الموازية ومنطق البيت الإبراهيمي
ما يجري في اليمن والسودان وليبيا لا يمكن قراءته كأحداث منفصلة، بل كجزء من سياسة تطويق متكاملة، تعتمد على إضعاف الدولة الوطنية لصالح كيانات موازية تمتلك قوة عسكرية ونفوذًا اقتصاديًا، لكنها تفتقر إلى الشرعية الجامعة.
في اليمن، استُغلت المظلة الأمنية والعسكرية التي وفّرتها السعودية لمواجهة الخطر الحوثي، من أجل ترسيخ كيان انفصالي في الجنوب يملك السيطرة الميدانية والموارد الحيوية. وفي السودان، تكرر المشهد عبر دعم قوى مسلحة موازية لمؤسسات الدولة، ما أدى إلى تفكيك بنية الدولة وإغراقها في صراع داخلي مفتوح.
الخطر الحقيقي يتجاوز التفكك الداخلي، ليصل إلى البعد الجيوسياسي، حيث تتحول هذه الكيانات الهشة إلى نقاط ارتكاز أمني واستخباري قابلة للتوظيف الخارجي. وفي هذا السياق، تبرز اتفاقيات "البيت الإبراهيمي" لا كمشروع سلام، بل كأداة لإعادة التموضع الأمني، عبر تطبيع الجغرافيا قبل تطبيع الشعوب، وفتح المجال أمام نفوذ إسرائيلي مباشر أو غير مباشر في ممرات مائية وحدود استراتيجية تمس الأمن القومي لكل من مصر والسعودية.
الخاتمة
إن استقرار المنطقة مرهون بوعي شعوبها بحقيقة ما يجري خلف ستار الضجيج الإعلامي. فالتوتر المصري-السعودي، كما يُصوَّر في الفضاء الرقمي، ليس سوى خلاف مُفتعل تُديره غرف عمليات إعلامية ووكلاء مصالح، هدفهم إضعاف الدول المركزية لصالح مشروع تفتيتي طويل النفس.
المعركة الحقيقية ليست بين عواصم عربية، بل بين مشروع الدولة الوطنية ومشروع تفكيك الجغرافيا وتحويلها إلى نقاط نفوذ تخدم الأمن الإسرائيلي على حساب الأمن القومي العربي. ومن هنا، تصبح إعادة قراءة المشهد بعيون عربية مستقلة ضرورة لا ترفًا، بعيدًا عن تزييف الوعي وضجيج الذباب الإلكتروني وأجندات الوكلاء.
الهوامش والتوثيق
للمزيد من الاطلاع على التصريحات والمواقف التي استند إليها هذا التحليل، يمكن مراجعة المصادر التالية:
-
1. المصدر الأصلي للتصريحات:
مقابلة عيدروس الزبيدي مع صحيفة The National (سبتمبر 2025)، والتي أكد فيها الجاهزية للانضمام إلى اتفاقيات «أبراهام» فور استعادة دولة الجنوب.
رابط المقال في The National -
2. التغطية الصحفية العربية:
تقرير موقع المصدر أونلاين حول انعكاسات هذه التصريحات على المشهد اليمني والإقليمي.
رابط التقرير في المصدر أونلاين -
3. القراءة الإسرائيلية للمشهد:
تقرير صحيفة The Jerusalem Post الذي حلل دلالات رغبة «جنوب اليمن» في التطبيع بوصفها جزءًا من استراتيجية أمنية إقليمية.
رابط الخبر في Jerusalem Post -
4. موقع بلقيس الإخباري:
تناول الخبر مع التركيز على التحول في الخطاب السياسي الجنوبي نحو التحالفات الغربية والإسرائيلية.
رابط المقال في بلقيس نت


تعليقات
إرسال تعليق