من الحجاب إلى المحرقة: سيكولوجية الاستبداد وصناعة الفوضى الطائفية

من الحجاب إلى المحرقة: سيكولوجية الاستبداد وصناعة الفوضى الطائفية

بقلم: إبراهيم الغامدي

ثم يتساءلون بكل بساطة: "من أين جاء الإرهاب؟!"

الإجابة لا تحتاج إلى مراكز دراسات استراتيجية، بل تحتاج فقط لثوانٍ من التأمل في مشهد واحد: رئيس وزراء ولاية بيهار الهندية، نيتيش كومار، وهو يمد يده بوقاحة لينتزع حجاب طبيبة مسلمة في حفل رسمي لتوزيع خطابات التعيين. الطبيبة "نصرت بارفين" صعدت لاستلام مستقبلها المهني، لكنها وجدت نفسها في مواجهة إهانة علنية، بينما يضحك المسؤولون المحيطون، بمن فيهم وزير الصحة.

هذا الفعل ليس مجرد "زلة مسؤول"، بل هو فتيل لمحرقة كبرى يتم تجهيزها بعناية.

التدرج في الانتهاك: هندسة الترويض

المستبد لا يبدأ بالمذابح، بل يبدأ بـ"اختبار ردود الأفعال". ما قام به كومار هو "جس نبض" للكرامة الإنسانية، اختبار لمدى قدرة المجتمع على استيعاب الإهانة.

البداية: انتهاك "صغير" يتمثل في انتزاع قطعة قماش بالقوة أمام الكاميرات، في لحظة مفترض أن تكون احتفالية.

المرحلة التالية: إذا مر هذا الفعل دون عقاب رادع، سيتحول إلى "تطبيع" لانتهاكات أكبر: منع الشعائر، هدم دور العبادة، حظر الأزياء الدينية. كل خطوة تمهد لما بعدها.

النهاية المحتومة: الوصول إلى مرحلة تصبح فيها المذابح الجماعية فعلاً "طبيعياً" في نظر المجتمع المخدر بالتحريض المستمر.

الدروس المستفادة من التاريخ: النازية كمرجع

التاريخ لا يعيد نفسه عبثاً، بل يتبع قوانين ثابتة. النازيون لم يبدأوا بغرف الغاز؛ بدأوا بمنع اليهود من الحدائق العامة، ثم إجبارهم على ارتداء "الشارة الصفراء"، ثم عزلهم في "الغيتو"، ثم المعتقلات، وأخيراً المحرقة. كل خطوة كانت تمهد منطقياً لما بعدها، وكل انتهاك كان يبدو "معقولاً" بعد الذي سبقه.

اليوم، محاولة نزع حجاب طبيبة في محفل رسمي هي "الشارة الصفراء" الجديدة - علامة على أن جماعة كاملة أصبحت "مستباحة"، وأن كرامتها لم تعد محمية.

الفوضى الطائفية: النار المبرمجة

المستبد يحتاج الفوضى الطائفية ليعزز قبضته. إنه يشعل الفتيل عمداً ليبرر لاحقاً القمع بذريعة "حفظ الأمن". يصنع "العدو الداخلي" ليشغل الناس عن فشله وفساده، موهماً إياهم بمقولته الشهيرة: "بدوني ستحترقون".

والحقيقة المرة هي أن هذه النار لا تستثني أحداً. الطبيبة المُهانة اليوم هي البداية فقط. غداً سيُهان الهندوسي الفقير الذي لا ينحني للسلطة. بعد غد سيُسحق أي معارض من أي دين أو طائفة. الاستبداد لا دين له، بل يستخدم الدين كغطاء وأداة لتحقيق أهدافه.

المرأة: الكرامة المتجسدة

لقد تجاوز هذا المسؤول كل الخطوط الحمراء. ما قام به ليس مجرد "إزعاج" أو "موقف محرج" - إنه اعتداء جسدي صريح. من الناحية القانونية، مد يده لنزع حجابها بالقوة يشكل جريمة يُحاسب عليها في أي دولة تحترم القانون.

المرأة في الثقافة الإسلامية - وفي معظم الثقافات الإنسانية - هي "الكرامة المتجسدة، تسير على قدمين". الاعتداء عليها ليس مجرد انتهاك لحقوقها الشخصية، بل هو اعتداء على شرف عائلتها بأكملها، على أعمق قيم المجتمع.

وحين يضحك المسؤولون المحيطون به (بمن فيهم وزير الصحة) أثناء هذا الفعل المهين، فهم لا يشاركونه الإهانة فحسب، بل يعلنون رسمياً موت "العقد الاجتماعي" ووفاة "الأخلاق السياسية".

تطبيع الاعتداء: إشارة خضراء للغوغاء

الخطر الأكبر يكمن في غياب المحاسبة. حتى هذه اللحظة، لم نسمع عن:

  • استقالة المسؤول
  • اعتذار رسمي
  • فتح تحقيق
  • أي إجراء رادع

الصمت يساوي الموافقة الضمنية.

عندما يفعلها رئيس وزراء علناً ولا يُعاقب، فهذه إشارة خضراء للجميع. الهندوسي العادي سيقول: "إذا كان رئيس الوزراء يفعلها، لماذا لا أفعلها أنا؟". البلطجي في الشارع سيشعر أن له غطاء سياسياً لمهاجمة المسلمين. هذا كيف تبدأ المذابح: بتطبيع الإهانة، ثم الاعتداء، ثم القتل.

خاتمة المراجعة

عندما ترى مسؤولاً ينتزع حجاب امرأة ولا يُعاقب، اعلم أن الحريق قد بدأ بالفعل، وإن لم تره بعينك بعد.

الإرهاب لا ينبت من فراغ، بل ينمو في تربة الظلم الممنهج، في مناخ الإفلات من العقاب، في بيئة الإذلال العلني للأقليات. إنه يتغذى على الغضب المكبوت، على الشعور بالعجز، على اليأس من العدالة.

ما زرعه نيتيش كومار في تلك اللحظة ليس مجرد إهانة لطبيبة واحدة، بل بذرة حقد ستنمو في قلوب الملايين. وحين تنبت هذه البذرة وتؤتي ثمارها المرة، سيتساءلون مجدداً بكل براءة: "من أين جاء الإرهاب؟!"

والإجابة ستكون أمامهم دائماً: من هنا بالضبط. من أمثالك.


مدونة "مراجعات فكرية" - تحليلات نقدية للأحداث السياسية والاجتماعية من منظور إنساني وأخلاقي

تعليقات

المشاركات الشائعة