حضرموت 1967: كيف أُجهض خيار الانتماء الطبيعي؟

بقلم: ابراهيم الغامدي

في عام 1967، لم تكن حضرموت تبحث عن “هوية جديدة”، بل عن حماية امتدادها الطبيعي. سلطان حضرموت القعيطي، في مقابلة موثقة مع BBC، عرض ثلاثة مسارات واضحة لمستقبل الإقليم:

  • الانضمام إلى جنوب اليمن
  • الانضمام إلى المملكة العربية السعودية
  • تشكيل اتحاد حضرمي مستقل (القعيطي + الكثيري + المهري)

من بين هذه الخيارات، لم يكن الانضمام إلى السعودية خيارًا سياسيًا عابرًا، بل خيارًا جغرافيًا وقبليًا وتاريخيًا منطقيًا. حضرموت ليست كيانًا معزولًا، بل جزء أصيل من نسيج الجزيرة العربية، بقبائلها وأنسابها وامتدادها الاجتماعي الذي سبق الدولة الحديثة بقرون.

السعودية، بدافع النخوة العربية وحسابات الأمن الاستراتيجي، رأت في حضرموت خط دفاع متقدم عن الجزيرة، لا مجرد أرض مجاورة. ولهذا حاولت حمايتها من المدّ الشيوعي الذي كان يبتلع جنوب اليمن في ستينيات القرن الماضي.

لكن ما بين 1963 و1967، كانت الموجة القومية الثورية أعلى صوتًا من الجغرافيا، وأقوى من التاريخ.

في 17 سبتمبر 1967، سيطرت الجبهة القومية ذات التوجه الشيوعي على حضرموت، وأسقطت سلطنتي القعيطي والكثيري بقوة السلاح السوفيتي، ثم في 30 نوفمبر، فُرض واقع سياسي جديد: اقتُطعت حضرموت قسرًا وأُلحقت بجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.

لم يكن ذلك “تحريرًا”، بل عملية فصل قسري للهوية والامتداد.

2025: النسخة الجديدة من السيناريو القديم

بعد قرابة ستة عقود، تعود حضرموت إلى قلب الصراع، لكن بأدوات مختلفة.

اليوم، المجلس الانتقالي الجنوبي، بدعم إماراتي واضح وتقاطعات مصلحية مع إسرائيل، يعمل على إعادة إنتاج نفس الفكرة القديمة: فصل حضرموت عن امتدادها الطبيعي، وتحويلها إلى كيان وظيفي يخدم مشاريع خارجية.

لم يعد المشروع شيوعيًا، لكنه لا يقل خطورة. الاختراق هذه المرة يتم عبر:

  • عسكرة الموانئ والسواحل.
  • إعادة تشكيل الهوية السياسية بالقوة.
  • ربط الإقليم بمحاور خارج الجزيرة العربية.

ما الذي تغيّر بين 1967 و2025؟

  • في 1967، كان العدو هو المشروع الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي.
  • في 2025، العدو هو المشروع الإسرائيلي بغطاء اتفاقيات أبراهام وتحالفات إقليمية هجينة.

لكن الهدف لم يتغير: عزل حضرموت عن الجزيرة العربية، وكسر العمق الجغرافي للسعودية من الشرق والجنوب.

الفرق الجوهري هذه المرة

في 1967، فُرض الواقع بالقوة وسط فراغ إقليمي. أما في 2025، فالسعودية تدرك أن السماح بتكرار الخطأ ليس مجرد خسارة حضرموت، بل تهديد مباشر لأمن الجزيرة العربية ككل.

حضرموت ليست ورقة تفاوض، ولا ساحة نفوذ، ولا هامشًا يمكن التضحية به. هي امتداد طبيعي، وخط دفاع، وجزء من معادلة الأمن القومي للجزيرة العربية.

ولهذا، هذه المرة، لن يُسمح بكتابة تاريخ العرب خارج حدود العرب.

تعليقات

المشاركات الشائعة