🇸🇦 الإنفاق العسكري السعودي: بين الضرورة الأمنية والتوازن الاستراتيجي

 

بقلم✍️ إبراهيم الغامدي
© 2025 جميع الحقوق محفوظة | All Rights Reserved


المقدمة

تحوّل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط بشكل جذري منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي. فالعالم العربي الذي عاش عقودًا في "الطمأنينة النفطية"، حيث كانت الثروة تُعتبر بوليصة تأمين ضد الأخطار، وجد نفسه فجأة أمام "التهديدات المتشابكة" التي تتجاوز الحدود التقليدية وتستهدف عمق الاستقرار الوطني.

في هذا السياق، يبرز تساؤل مشروع يتردد في الساحة الدولية والإقليمية: لماذا تتصدر المملكة العربية السعودية قائمة الدول الأكثر إنفاقًا على السلاح، بينما لا تخوض حروبًا تقليدية فعلية على الأرض؟

يجب التنويه أولاً بأن المقارنة المباشرة لأرقام الإنفاق مع الدول الكبرى المصنّعة للسلاح (كالولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وأوروبا) غالبًا ما تكون غير صحيحة منهجيًا. هذه الدول تُعيد تدوير جزء كبير من ميزانية الدفاع داخليًا عبر صناعاتها الوطنية، مما يخفّض من كلفة الإنفاق الحقيقية. في المقابل، تضطر السعودية، باعتبارها مستورداً رئيسياً، إلى دفع سعر شراء كامل ومُضخّم (Premium) يشمل أرباح الشركات الأجنبية وتكلفة نقل التقنية، مما يضخم رقم الإنفاق الكلي الظاهر على قوائم المقارنة الدولية.

بعيداً عن الأرقام المجردة، يكمن الجواب الحقيقي في فهم "الذاكرة الأمنية" للمملكة، وهي سلسلة من الصدمات والتحولات التي لم تترك لها خيارًا سوى إعادة تعريف أمنها القومي بالكامل، وصولًا إلى مفهوم "الردع الذاتي" الذي تتبناه اليوم. الإنفاق العسكري السعودي ليس إنفاقًا على حرب، بل هو استثمار وجودي في الاستقرار الإقليمي ومستقبل الرؤية الوطنية.


أولاً: حوادث مفصلية أعادت تشكيل العقيدة الدفاعية السعودية

لم يكن الإنفاق العسكري السعودي نموًا خطيًا، بل كان دائمًا رد فعل على "صدمة أمنية" كبرى تهدد جوهر الدولة. هذه هي أهم المحاور التاريخية التي صاغت العقيدة الدفاعية الحديثة:

  1. عام الصدمات الثلاث 1979م (الخطر الأيديولوجي المزدوج):
    • الثورة الخمينية: تحول إيران إلى مشروع أيديولوجي معادٍ يسعى لتصدير الثورة، مما اضطر السعودية إلى تبني سياسة "الحماية الوقائية" وتعزيز التحالفات الغربية.
    • حادثة الحرم المكي واضطرابات القطيف: كشفت هذه الأحداث عن ثغرات في الأمن الداخلي والتعامل مع التهديدات المتطرفة. هذا أسّس للحاجة إلى تطوير شامل لقوات الأمن الخاصة والحماية الرمزية للمقدسات.
  2. الغزو العراقي للكويت 1990م: أحدث صدمة إقليمية هائلة؛ إذ اقترب الخطر لأول مرة من حدود المملكة. ظهرت الحاجة لقوات تدخل سريع وأنظمة إنذار مبكر، مما أسّس لعهد الشراكة العسكرية الأميركية-السعودية.
  3. صعود إرهاب القاعدة وتفجيرات الخبر (1996م) و (2003م):
    • أشّرت هذه الهجمات إلى صعود خطر الإرهاب العابر للحدود والمرتبط بأجندات خارجية.
    • التأثير على الإنفاق: فرض هذا التحدي تحولاً جذرياً في الإنفاق ليشمل: أمن المنشآت الحيوية (النفط والغاز)، الأمن المضاد للمركبات المفخخة، وتطوير قدرات مكافحة الإرهاب المتقدمة.
  4. سقوط نظام صدام وتغوّل النفوذ الإيراني في العراق بعد 2003م: فراغ القوة في العراق سمح لطهران بمدّ نفوذها غربًا، فشعرت السعودية بأن "الحزام الشيعي" يلتف حولها، فبدأت استراتيجية "الردع الاستباقي".
  5. الغدر الأمريكي بالعراق عام 2003م وطرد القوات الأمريكية من المملكة في عهد الملك فهد: هذا الحدث غيّر فلسفة الدفاع جذريًا، وأدركت الرياض أن الضمانات الخارجية مؤقتة، وأن الاعتماد على الذات هو السبيل لبقاء السيادة.
  6. إدخال صواريخ “رياح الشرق” الصينية (DF-3) إلى الخدمة: مثّل أول تحوّل استراتيجي نحو الردع بعيد المدى خارج المظلة الأمريكية، ورسّخ مفهوم “التوازن الصاروخي”.
  7. التحولات الإقليمية من الربيع العربي إلى حرب اليمن: زادت التهديدات غير التقليدية (الميليشيات، الطائرات المسيّرة، الهجمات الإلكترونية)، فصار الدفاع الجوي والدفاع السيبراني أولوية قصوى لمواجهة الاستهداف المباشر لأراضيها.
  8. الضربة الإسرائيلية على الدوحة – 9 سبتمبر 2025م: كانت لحظة مفصلية أعادت تعريف الأمن الخليجي بالكامل. الغارة، وما تبعها من "صمت أو تواطؤ أمريكي"، شكّلت صدمة جعلت السعودية تدرك أن الحماية لم تعد مضمونة. من هنا، تبلورت الحاجة الملحة إلى بناء ردع ذاتي متكامل وبأقصى سرعة.
  9. اتفاقية الدفاع المشترك مع باكستان (17 سبتمبر 2025م): مثّل هذا الاتفاق قفزة نوعية في استراتيجية الردع الذاتي، خاصة مع التصريحات التي أطلقتها خواجة محمد عاصف حول تضمين الاتفاق "مظلة نووية". هذا يؤكد انتقال المملكة إلى بناء تحالفات استراتيجية عميقة ومتعددة الأبعاد.

ثانيًا: التوازن الاستراتيجي والتحوّل نحو الردع الذاتي

اليوم، لم يعد الإنفاق العسكري السعودي يهدف بالدرجة الأولى إلى شراء معدات جاهزة، بل إلى تطوير منظومة سيادة دفاعية وطنية قادرة على بناء قوتها ذاتياً وتقليل الاعتماد على الاستيراد الأجنبي.

وظّفت السعودية هذا الإنفاق الضخم في محورين استراتيجيين:

  1. بناء الصناعات الدفاعية الوطنية (Localization): من خلال "الهيئة العامة للصناعات العسكرية" (GAMI)، تم وضع هدف طموح لتوطين 50% من الإنفاق العسكري بحلول 2030. هذا قرار سيادي يضمن عدم ارتهان القرار العسكري لتقلبات المزاج السياسي للدول المورّدة.
  2. نقل التقنية (Technology Transfer): الشراكات التقنية مع قوى عالمية متعددة تهدف إلى خلق قاعدة معرفية وبنية تحتية صناعية تسمح بإنتاج وتطوير المعدات الدفاعية محليًا.

هذا التوجّه يُربط مباشرة بـ رؤية 2030؛ حيث تُمزج القوة الاقتصادية والتقنية مع القوة العسكرية في إطار واحد.


الخاتمة

في النهاية، الإنفاق العسكري السعودي ليس رفاهية أو مغامرة عسكرية، بل هو بوليصة تأمين وجودية تدفع ثمنها دولة محاطة بتهديدات متعددة الأوجه: إيران ومشروعها التوسعي، ميليشيات الحوثي وصواريخها التي تخترق الأجواء، إسرائيل وضرباتها التي لا تعترف بالسيادات، والإرهاب العابر للحدود. وكما يقول المثل: من أراد السلام فليستعد للحرب، والسعودية تستثمر في السلام بضمان قدرتها على الردع.

تعليقات

المشاركات الشائعة