بين الإرادة الإلهية وطبيعة المخلوق

خلق السماوات والأرض في ستة أيام: بين الإرادة الإلهية وطبيعة المخلوق

خلق السماوات والأرض في ستة أيام

✍️ بقلم: إبراهيم الغامدي


ائتيـا طوعًا: كيف نفهم التدرج في ضوء الإرادة الإلهية؟

يتكرر في القرآن الكريم نمطان من التعبير عن الخلق الإلهي، يبدوان للوهلة الأولى متباعدين، لكن التأمل فيهما يكشف عن انسجام عميق:

﴿وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117]

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: 38]

فإذا كانت مشيئة الله تنفذ بكلمة واحدة "كُن"، فلماذا استغرق خلق السماوات والأرض ستة أيام؟ هل في ذلك تأخير؟ أم أن في الأمر سرًّا أعمق من مجرد الزمن؟


1. "كُنْ فَيَكُونُ": قدرةٌ تتجاوز الزمان والمكان

العبارة القرآنية "كُن فيكون" ليست وصفًا زمنيًا، بل إعلانٌ عن **النفاذ المطلق للإرادة الإلهية**. فالله سبحانه لا يُقيَّد بزمانٍ ولا يحتاج إلى أدواتٍ ولا مراحل.

وقد تجلت هذه القدرة المطلقة في **المعجزات** التي خرق الله بها قوانين الطبيعة، كإحياء الموتى، وانشقاق القمر، وولادة عيسى عليه السلام من غير أب، وعصا موسى التي صارت حيّة تسعى. هذه المعجزات لا تخضع للنواميس الكونية، بل تتجاوزها، وتُظهر أن الله إذا شاء شيئًا، لا يعجزه شيء. وهنا يتجلى معنى "كُن فيكون" في صورته **الفورية الخارجة عن النواميس والقوانين**.


2. الستة أيام: تنفيذ الأمر ضمن نواميس الخلق

لكن حين يتعلق الأمر بخلق السماوات والأرض، فإن الصورة تختلف؛ فالأمر الإلهي هنا لم يكن معجزة خارقة، بل خلقًا أصليًا أقام الله فيه نواميس الوجود ذاتها.

قال تعالى:

﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]

الأمر الإلهي **"ائتيا" فوري ومطلق**، يقابل من حيث المقام "كُن".

واستجابة المخلوق **"أتينا طائعين"** ترجمه لـ (فيكون) تعبّر عن العملية التكوينية، وهي التي استغرقت **الأيام الستة**.

فالزمن والمكان نفسهما مخلوقان، وقد أودع الله فيهما قوانين دقيقة تحكم الحركة والطاقة والمادة. ولأن المخلوقات محدودة الوسع والقدره، فإن تنفيذ الأمر الإلهي تمّ ضمن حدود طاقتها واستعدادها الوجودي، لا خارج عنها.

وبذلك، فالستة أيام ليست تأخيرًا، بل هي **المدة التي استغرقتها المخلوقات في تحقيق الأمر الإلهي وفق ما فُطرت عليه من سنن وقدرات**.


3. تصحيحٌ منهجي: السبب شيء، والحكمة شيء آخر

هنا يجب أن نضع ما ذكره العلماء الأجلاء في مكانه الصحيح.

فكثير من المفسرين قالوا إن خلق السماوات والأرض في ستة أيام كان لتعليم البشر التدرج، أو لإظهار الإتقان، أو لتقدير الزمن. وهذه أقوال جليلة من حيث المعنى، لكنها لا تقع تحت باب **السبب**، بل تحت باب **الحكمة المستنبطة**.

فالسبب يصف لماذا وقع الفعل على هذا النحو، بينما الحكمة تُستخلص منه بعد وقوعه. الخلق في ستة أيام لم يكن ليتعلم الإنسان التدرج — فالحياه مليئه بامور يمكنه ان يتعلم منها نظريا وتطبيقيا — بل لأن **طبيعة المخلوق نفسه** لا تحتمل التنفيذ الفوري للأمر الإلهي.

إذن، **السبب الحقيقي** هو قدرة المخلوقات على تنفيذ الأمر الإلهي ضمن ما أودعه الله فيها من وسعٍ وقدره وقوانين.

أما حين شاء الله أن يظهر قدرته الخارقة للنواميس، فقد تجلّت في المعجزات: في شقّ البحر لموسى، وفي ناقة صالح، وفي إحياء الموتى على يد عيسى، وفي انشقاق القمر. فهناك تجلّت "كُن فيكون" في وجهها الفوريّ، حيث شاء الله أن يتجاوز حدود الخلق والنواميس لحكمةٍ خاصةٍ في موضعٍ مخصوص.


4. تكامل الإرادة مع النظام

الفهم المتوازن يُدرك أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الكون في ستة أيام لعجزٍ أو لتدرّبٍ أو لحاجة، بل لأن المخلوق نفسه — الزمان والمكان والمادة — بحتاجه إلى هذا الزمن ليظهر ويكتمل.

فـ **"كُن فيكون"** تعبّر عن **الإرادة الإلهية المطلقة**،

أما **"الستة أيام"** فتعبر عن **تجلّي هذه الإرادة** ضمن منظومةٍ مخلوقةٍ تسير وفق قوانين دقيقةٍ أرادها الله.

وبذلك يزول ما يبدو من التعارض، ويتّضح أن خلق السماوات والأرض لم يكن إلا **انسجامًا بين الإرادة الإلهية المطلقة وطبيعة المخلوق المحدودة**.


© 2025 جميع الحقوق محفوظة | All Rights Reserved

تعليقات

المشاركات الشائعة