السعودية والتحول الجذري
كيف فكّكت الرياض "جمود أوسلو" في ملف الصراع؟
بقلم: إبراهيم الغامدي
المقدمة: صدمة الواقع وضرورة الإدراك الجديد
في زمن تتسارع فيه التحولات داخل إسرائيل نحو ترسيخ منظومة هيمنة دينية-قومية، يواجه العالم العربي تحدياً إدراكياً عميقاً: هل نرى الواقع كما هو، أم نتمسك بما اعتدنا أن نراه؟ وبينما تتعثر بعض النخب في استيعاب هذا التحول، برزت المملكة العربية السعودية كقوة استراتيجية لم تكتفِ بالخطاب التقليدي، بل عملت على إعادة تعريف أدوات المواجهة، دون التخلي عن المبادئ الجوهرية للسلام.
1. إسرائيل الجديدة: نهاية وهم "التسوية السياسية"
لم تعد إسرائيل مجرد كيان احتلالي مؤقت بانتظار تسوية سياسية قابلة للتطبيق. لقد تحوّلت بنيوياً إلى نظام هيمنة مُكرَّس قانونياً، يقوده اليمين الديني المتطرف، ويُشرعن الضم الزاحف للأرض عبر قوانين مصيرية مثل قانون القومية.
هذا التحول البنيوي أنهى عملياً صلاحية "حل الدولتين" بالصيغة الهشة التي صيغت في التسعينات، وحوّل طبيعة الصراع من قضية سياسية حدودية إلى صراع له أبعاد عقائدية وبنيوية. ورغم وضوح هذه الحقيقة، لا تزال النخب العربية تتمسك بسيناريوهات قديمة، مدفوعة بتصلب إدراكي يمنع إعادة تعريف طبيعة العدو أو ابتكار إطار استراتيجي جديد.
2. مأزق الإدراك العربي: تقزيم الصراع لخدمة الرواية الإسرائيلية 📉
لقد لعب التصلب الإدراكي دوراً سلبياً مزدوجاً. فبينما فشلت النخب العربية في استيعاب التحوّل البنيوي الإسرائيلي، ساهَمَ الخطاب العام (العربي والغربي) في تقزيم القضية، مما عزّز الموقف الإسرائيلي طوال الفترة الماضية.
تتمثل هذه الآلية في سلسلة من الاختزالات الممنهجة:
- اختزال القضية الفلسطينية في قطاع غزة: بتحويل الصراع من قضية حقوق وتقرير مصير تشمل كل الأراضي إلى مجرد "أزمة إنسانية".
- اختزال غزة في حركة حماس: مما يُجرد القضية من بعدها الشعبي والسياسي الأوسع.
- اختزال حماس في قائد الحركة: ما يسمح لإسرائيل بتبرير عمليات عسكرية واسعة النطاق باعتبارها "مطاردة لأفراد".
هذا التقزيم مكّن إسرائيل من طرح الصراع للعالم بوصفه "معركة أمنية ضد الإرهاب"، بدلاً من الاعتراف به كصراع على الأرض والوجود ونظام فصل عنصري.
3. مِفتاح الإدراك: فهم نظام "الأبارتهايد"
ما معنى "أبارتهايد"؟
الأبارتهايد هو نظام فصل عنصري ممنهج، تُمارَس فيه سياسات تمييز واضطهاد ضد مجموعة عرقية أو قومية بهدف الحفاظ على تفوق وهيمنة مجموعة أخرى.
في الحالة الإسرائيلية: لا يقتصر الأمر على الاحتلال العسكري، بل يشمل قوانين وسياسات تُكرّس التفوق اليهودي. منظمات حقوقية عالمية بارزة (كـ "العفو الدولية" و "هيومن رايتس ووتش") أقرّت بوجود هذا النظام البنيوي، مما يمنح الخطاب العربي أرضية قانونية صلبة يمكن تحويلها إلى أداة ضغط فعّالة في المحافل الدولية.
4. السعودية: من جمود الخطاب إلى قوة التحشيد
في مواجهة هذا الواقع المعقد، لم تستسلم السعودية لثنائية "المقاومة أو التفاوض" العاجزة، بل وضعت ثقلها الدولي الهائل لإعادة تفعيل حل الدولتين كإجماع عالمي، وتفكيك منظومة الأبارتهايد عبر القانون.
في سبتمبر 2025، قادت السعودية تحركاً دبلوماسياً نوعياً داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالتعاون مع فرنسا، أثمر عن اعتماد "إعلان نيويورك". كانت النتيجة مذهلة: تصويت 142 دولة لصالح الإعلان الذي أعاد التأكيد الدولي على حق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة.
تُوج هذا التحرك بإعلانات اعتراف من قوى أوروبية مؤثرة (بينها إسبانيا، أيرلندا، وبلجيكا) في نهاية الشهر، مما أكد أن التحشيد الدبلوماسي هو الأداة الأكثر فعالية لتفكيك مشروع الهيمنة.
- القوة الناعمة والدبلوماسية الممنهجة لحشد التأييد.
- المرجعية القانونية الدولية كأداة للمواجهة.
- وتجاوز الهيمنة الأمريكية عبر العمل في منصات أممية لا تخضع لحق النقض (الفيتو).
5. النموذج السعودي: استراتيجية تفكيك الأبارتهايد
ماذا يعلّمنا هذا التحول في الأداء السعودي؟ إنه يُثبت أن الاعتراف بالتحول الإسرائيلي نحو الأبارتهايد لا يعني الاستسلام له، بل يستدعي:
- من الوساطة إلى المبادرة: تجاوز دور الداعم ليصبح شريكاً في صياغة الأجندة الدولية.
- من العاطفة إلى القانون: تحويل الصراع إلى قضية قانونية وحقوقية دولية تُدين السلوك الإسرائيلي.
- من الحياد إلى الضغط المنهجي: استخدام القوة الدبلوماسية لتوحيد المشروع التحرري الفلسطيني تحت مظلة الشرعية الدولية.
“لقد تغيّر الزمن، وتغيّرت إسرائيل، وتغيّرت أدوات اللعبة السعودية. لكن الإدراك العربي لا يزال في سبات وهم أوسلو.”
الخاتمة: معركة الوعي والحقيقة
إن لم نُعد تعريف الصراع على أنه معركة ضد نظام أبارتهايد بنيوي، ونحرر خطابنا من فخ اختزال القضية في أزمة إنسانية أو في قادة تنظيم، فإننا نخسر معركتنا قبل أن تبدا!، لاننا نخوض حربا بلا وعي.
وهكذا، لا تعيد الرياض تعريف الصراع فحسب، بل تعيد تعريف الوعي العربي نفسه.
``

تعليقات
إرسال تعليق