الدور المحوري للسعودية
من تأسيس الرياض إلى قيادة الاستقرار العالمي (1902-2025)
منذ استرداد الملك عبد العزيز الرياض عام 1902، معلنًا ولادة الدولة السعودية الثالثة، برزت المملكة كركيزة استقرار في منطقة مضطربة. وسط حرائق جيوسياسية وتجاذبات دولية، حولت القيادة السعودية – بتوفيق الله وحنكة سياسية – كل تحدٍ إلى فرصة، وكل عقبة إلى درجة صعود نحو مكانة عالمية. هذا المقال يروي ملحمة وطنية تحولت فيها "الدبلوماسية الهادئة" إلى "قيادة حتمية"، تُوّجت في سبتمبر 2025 بحشد عالمي لحل الدولتين، مما أجبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على التراجع عن دعم ضم الضفة الغربية، وأدى إلى تصويت تاريخي في الأمم المتحدة بـ142 صوتًا، واعتراف دول غربية كبرى بدولة فلسطين.
التأسيس: بناء الوحدة الوطنية (1902-1932)
لم يكن توحيد المملكة مهمة سهلة. جغرافيا شاسعة، قبائل متفرقة، وتحديات سياسية وأمنية. لكن الملك عبد العزيز، بدعم شعبي وإرادة صلبة، جمع البلاد تحت راية واحدة، مرسّيًا أسس دولة حديثة قائمة على العدل والوحدة. هذا الإنجاز لم يكن مجرد تأسيس، بل كان أساسًا لاستقرار إقليمي، حيث أمن الحج ومنع الفوضى القبلية.
القضية الفلسطينية: التزام وجودي (1948-1967)
منذ البداية، عُدت القضية الفلسطينية قضية أمن قومي سعودي. في حرب 1948، شاركت القوات السعودية إلى جانب مصر في معارك غزة، المجدل، وأسدود، مقدمة دعمًا لوجستيًا ونسفت إمدادات المياه الإسرائيلية. خلال العدوان الثلاثي (1956)، أعلن الملك سعود التعبئة، قطع العلاقات مع بريطانيا وفرنسا، وأرسل وحدات عسكرية ودعمًا ماليًا لمصر. استمر هذا الالتزام في حرب 1967 وحرب الاستنزاف، حيث قدمت السعودية دعمًا ماليًا وعسكريًا، مؤكدة دورها كحامل لواء القضية الفلسطينية.
الستينيات: مواجهة المد الثوري وحرب اليمن
مع صعود الشعارات القومية والثورية، حافظت المملكة على استقرارها عبر بناء مؤسسات حديثة وتعزيز مكانتها كمركز إسلامي. في حرب اليمن (1962-1970)، دعمت القوى الملكية ضد المد الناصري بمساعدات عسكرية ومالية، حمايةً لتوازن الخليج ومنع انتشار الثورات إلى حدودها.
1970-1980: القوة الاقتصادية والدبلوماسية
في حرب أكتوبر 1973، قادت السعودية حظر النفط على الدول الداعمة لإسرائيل، مما غير موازين القوى العالمية وساهم في إنهاء الحرب. كما دعمت بشكل غير مباشر معاهدات كامب ديفيد (1978) عبر ضمانات اقتصادية لمصر، مما ساعد في استقرار المنطقة. في مبادرة فهد (1981)، اقترحت السعودية خطة سلام عربية-إسرائيلية، أرست أسسًا لاحقة لمبادرة السلام العربية.
الثمانينيات: صمام أمان في حرب الثماني سنوات
خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، قدمت السعودية دعمًا ماليًا للعراق (أكثر من 25 مليار دولار)، سمحت بعبور أنابيب النفط، ودعمت شراء الأسلحة، مانعة انتشار الثورة الإيرانية وحافظت على أمن الخليج. كما توسطت في جهود السلام مع الحفاظ على حيادها الدولي.
1989: اتفاق الطائف واستقرار لبنان
استضافت الرياض اجتماعات الطائف، التي أنهت الحرب الأهلية اللبنانية عبر اتفاق أعاد التوازن السياسي. استمر دعم السعودية للبنان بمساعدات إنسانية (مثل الجسور الجوية في 2024) وحزم أمنية بـ3 مليارات دولار في 2025، مشروطة بنزع سلاح الجماعات غير الحكومية.
التسعينيات: أزمة الخليج وريادة إقليمية
في غزو الكويت (1990-1991)، استضافت السعودية قوات التحالف الدولي، وساهمت في استعادة الكويت، مؤكدة دورها كركيزة لأمن الطاقة العالمي والاستقرار الإقليمي.
2000-2020: مبادرة السلام ومكافحة التطرف
في 2002، أطلق الملك عبد الله مبادرة السلام العربية، التي ربطت التطبيع بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة وحل عادل للاجئين. هذه المبادرة أصبحت إطارًا استراتيجيًا للاستقرار. في مكافحة الإرهاب، طورت السعودية برامج مثل "السكينة" ومركز "اعتدال"، مانعة انتشار التطرف وحولت التهديد إلى نموذج عالمي.
2011-2020: الربيع العربي ودعم الجوار
خلال الربيع العربي، قدمت السعودية مساعدات مالية للبحرين وعُمان، ودعمت مصر بمليارات الدولارات بعد 2013 لمنع الانهيار الاقتصادي. في اليمن (2015-الحاضر)، قادت تحالفًا عربيًا ضد الحوثيين، ثم انتقلت إلى حوار دبلوماسي في 2023 لإنهاء النزاع. كما رفضت اتفاقيات إبراهيم (2020)، بدون حل الدولتين.
2020-2025: رؤية 2030 والقيادة العالمية
مع رؤية 2030، تحولت السعودية إلى قوة دبلوماسية عالمية. في 2023، توسطت الصين في إعادة العلاقات مع إيران، مما خفض التوترات الإقليمية. في سوريا (2024-2025)، دعمت السعودية الشعب بعد سقوط الأسد، عبر جسور جوية واجتماعات الرياض لرفع العقوبات وتسريع المساعدات. في فبراير-مارس 2025، استضافت محادثات روسيا-أوكرانيا، أدت إلى هدنة لـ30 يومًا، مؤكدة مكانتها كوسيط موثوق.
سبتمبر 2025: تتويج الجهود بحل الدولتين
بعد تصعيد إسرائيلي في غزة والضفة منذ أكتوبر 2023، قادت السعودية تحالفًا دوليًا عبر إعلان نيويورك (يوليو 2025) مع فرنسا، داعية لحل الدولتين. استضافت قمة عربية-إسلامية في نوفمبر 2024 لوضع خطة موحدة، ثم حشدت أكثر من 90 دولة، مما أدى إلى تصويت الأمم المتحدة بـ142 صوتًا لصالح حل الدولتين (12 سبتمبر 2025). بحلول 22 سبتمبر، اعترفت دول غربية كبرى (فرنسا، بريطانيا، كندا، أستراليا، بلجيكا) بدولة فلسطين، مؤكدة نجاح المبادرة العربية.الضغط السعودي في اجتماع مغلق مع ترامب (24 سبتمبر) أجبره على التصريح في 25 سبتمبر بعدم السماح بضم الضفة.
الاستقرار: صناعة شعب وقيادة
الاستقرار السعودي لم يكن هبة جغرافية، بل صناعة عقول وقلوب، صيغت بتلاحم الشعب مع قيادته. من توحيد البلاد إلى قيادة حل الدولتين في 2025، يبقى هذا الثبات صخرة صلبة في بحر هائج، وضمانة لمستقبل يليق بعمق المملكة التاريخي ووزنها العالمي.
ما رأيكم؟ كيف ترون دور السعودية في تشكيل الاستقرار الإقليمي والعالمي؟ شاركونا آراءكم في التعليقات!


تعليقات
إرسال تعليق