دبور و زن على خراب عشه

دبور و زن على خراب عشه

بقلم ✍️ إبراهيم الغامدي

في عالم السياسة، قد تبدو بعض القرارات خطوة استراتيجية جريئة، لكنها سرعان ما تتحول إلى خطأ يرتد على صانعها. هذا ما حدث مع بنيامين نتنياهو، الذي بدأ سبتمبر 2025 يعتقد أنه يقود المعركة، ليجد نفسه في نهاية الشهر محاصراً في عزلة سياسية ودبلوماسية.

غلطة سبتمبر الحاسمة

في 9 سبتمبر 2025، نفذت إسرائيل غارة جوية على الدوحة، مستهدفة قيادات في المقاومة الفلسطينية. رغم ادعاءات إسرائيل بأن العملية كانت ضرورية للدفاع عن أمنها بعد هجمات في القدس، إلا أن الغارة في عاصمة خليجية أثارت موجة غضب عارمة. لم تكن هذه مجرد عملية عسكرية، بل نقطة تحول جعلت القضية الفلسطينية رمزاً عالمياً للعدالة. خرجت مظاهرات حاشدة من الخليج إلى المحيط، وتحولت القضية من نزاع إقليمي إلى قضية إنسانية ودولية. الإدانات الدولية توالت، ووجدت الولايات المتحدة نفسها معزولة في مجلس الأمن، مضطرة لاستخدام الفيتو ضد قرارات تدعو لوقف التصعيد.

ميلاد محور الردع

لم تقتصر التبعات على الاحتجاجات. في 22 سبتمبر، أعلنت دول أوروبية مثل فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا الاعتراف بدولة فلسطين خلال قمة الأمم المتحدة، في ضربة دبلوماسية موجعة لإسرائيل. لكن الحدث الأبرز كان في 17 سبتمبر، حين وقّعت السعودية وباكستان معاهدة دفاعية تاريخية، تضمنت تنسيقاً عسكرياً واستخباراتياً، مع تلميحات إلى تعاون استراتيجي قد يشمل مظلة نووية غير رسمية. هذا التحالف، الذي وصفه محللون بـ"محور الردع الإسلامي"، غيّر قواعد اللعبة الإقليمية، وجاء كرد مباشر على الغارة الإسرائيلية.

تصاعد العزلة

في 20 سبتمبر، ألقى نتنياهو خطاباً هاجم فيه دولاً "تدعم الإرهاب"، في إشارة غير مباشرة إلى دول عربية وإسلامية. لكن الخطاب لم يجد صدى إلا في الداخل الإسرائيلي، حيث تصاعدت المظاهرات المطالبة برحيله، خاصة مع استمرار الحرب في غزة.

المقاطعات العالمية

امتدت العزلة إلى المجالات الثقافية والاقتصادية والرياضية، مع تصاعد المقاطعات العالمية كرد فعل على الغارة والحرب في غزة. في الرياضة، شهد سباق الدراجات الإسباني "فويتا" احتجاجات عنيفة ضد فريق إسرائيلي، وطالب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بمقاطعة إسرائيل من الفعاليات الرياضية الدولية حتى ينتهي "البربرية" في غزة، بينما أعلنت دول أوروبية تهديداً بمقاطعة يوروفيجن 2026 إذا شاركت إسرائيل. في الفن والسينما، وقّع أكثر من 1800 فنان ومخرج هوليوودي، بما في ذلك جافيير بارديم وأوليفيا كولمان ومارك رافالو، تعهدًا بمقاطعة المؤسسات السينمائية الإسرائيلية المتهمة بالتواطؤ في "الإبادة الجماعية"، مما أثار جدلاً في هوليوود وأدى إلى إلغاء بعض الفعاليات الثقافية في أوروبا. اقتصاديًا، أدت الضغوط إلى تعليق مشاركة كيانات إسرائيلية في برنامج "هورايزون أوروبا" للبحث والابتكار، وإزالة شركات مثل كاتربيلر من صناديق استثمارية أوروبية، بالإضافة إلى حملات BDS التي ساهمت في خسائر لشركات مثل ماكدونالدز وكارفور بسبب ارتباطها بالاستيطان. هذه المقاطعات، التي امتدت إلى الصناعة والتجارة، أضعفت الاقتصاد الإسرائيلي وأكدت تحولاً عالمياً في الرأي العام.

في المقابل، أعلنت السعودية في يومها الوطني (23 سبتمبر) موقفاً تاريخياً خلال قمة الأمم المتحدة، مؤكدة أن "لا حل بدون دولة فلسطينية مستقلة"، وهو موقف دعمته عشرات الدول العربية والإسلامية ضمن إعلان نيويورك الموقّع من أكثر من 140 دولة.

الخاتمة

"دبور و زن على خراب عشه". هذا المثل يجسد مصير نتنياهو بعد قرار الغارة على الدوحة. لم يكتفِ بإثارة غضب العالم العربي، بل تسبب في عزلة إسرائيل دبلوماسياً، ومهّد لتحالفات إقليمية غيرت موازين القوى. بدأ الشهر وهو يرى نفسه قائداً لا يُقهر، لينهيه معزولاً في خرائب تل أبيب السياسية، بينما تتسارع الأحداث لتؤكد أن القضية الفلسطينية أصبحت أقوى من أي وقت مضى.

مراجع مختصرة

تعليقات

المشاركات الشائعة