المسلمين بين صهيونيتين
الهند و"إسرائيل": تشابه السياسات التوسعية وقمع إرادة الشعوب في تقرير المصير
منذ منتصف القرن العشرين، شكّلت قضايا حق الشعوب في تقرير مصيرها حجر الزاوية في منظومة القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، باعتباره حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان التي لا يجوز المساس بها. إلا أن هذا الحق ظلّ حبيس الأدراج الأممية أمام واقع احتلالي يستند إلى منطق القوة، ويرفض الاعتراف بإرادة الشعوب الواقعة تحت وطأته.
ويأتي في مقدمة هذه القضايا قضيتا فلسطين وكشمير، اللتان تمثلان نموذجًا صارخًا لاحتلال عسكري يتغذى على القمع السياسي والاضطهاد الديموغرافي، مع تشابه مريب بين سياسات الهند في كشمير و"إسرائيل" في فلسطين. هذا التشابه لا ينحصر في الوسائل القمعية وحدها، بل يمتد ليشمل البنية الأيديولوجية والممارسات التوسعية القائمة على إنكار الآخر وتجريده من إنسانيته وحقه في الوجود.
في هذا المقال، سنحاول تفكيك أوجه التشابه بين الهند و"إسرائيل" في تعاملهما مع قضيتي كشمير وفلسطين، وبيان كيف تحولت السياسات التوسعية والقمعية إلى مبرر منطقي لتحالف سياسي وعسكري متين بين الطرفين، يهدد استقرار المنطقة ويكرّس منطق الاستعمار الحديث.
المحور الأول: الجذور الأيديولوجية للصراع
لا يمكن فهم السياسات القمعية التي تنتهجها كل من الهند و"إسرائيل" دون الرجوع إلى البنية الفكرية والأيديولوجية التي تحكم سلوكهما السياسي. إذ إن كِلا الطرفين يستندان إلى مشروع قومي متطرف يُقصي الآخر، ويعتبر وجوده تهديدًا لمفهوم الدولة والهوية.
في الحالة الإسرائيلية، تقوم الدولة على أسس الصهيونية السياسية، وهي حركة قومية عنصرية نشأت في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، تهدف إلى إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، بزعم أنها "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". هذه الأيديولوجية تنفي وجود الفلسطينيين أصلًا، وتبرر طردهم واحتلال أراضيهم بدعوى الحق الديني والتاريخي.
أما في الحالة الهندية، فقد صعدت في العقود الأخيرة أيديولوجية الهندوتفا (Hindutva)، وهي حركة قومية هندوسية متشددة، ترى أن الهند يجب أن تكون وطنًا حصريًا للهندوس، وتعتبر المسلمين — خاصة في إقليم كشمير — غرباء على هذه الأرض، يستحقون الإقصاء والاضطهاد. ويتبنى حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) الحاكم هذه الأيديولوجية، بقيادة ناريندرا مودي، الذي يرتبط اسمه بمجازر غوجارات ضد المسلمين عام 2002.
هذا التشابه في الجذور الأيديولوجية أنتج سياسات متماثلة في القمع والاضطهاد والتوسع الاستيطاني، وخلق مبررًا طبيعيًا لعلاقة استراتيجية بين النظامين، تقوم على تبادل الخبرات الأمنية والقمعية.
المحور الثاني: عسكرة الأراضي المحتلة وفرض القبضة الأمنية
تتسم السياسات الهندية في كشمير ونظيرتها الإسرائيلية في فلسطين بعسكرة مكثفة للأراضي المحتلة، واعتماد القبضة الأمنية كوسيلة أولى وأخيرة لضمان السيطرة ومنع أي تحرك شعبي مقاوم.
في كشمير، تنتشر أكثر من 700 ألف جندي هندي، يجعلون منها واحدة من أكثر المناطق عسكرة في العالم. ولا يقتصر الأمر على وجود الجنود، بل يشمل فرض حظر تجول متكرر، وإغلاق للاتصالات، وتعطيل للإنترنت، واعتقال تعسفي لعشرات الآلاف من الشبان والنشطاء، دون محاكمات عادلة.
أما في فلسطين، فتطبق "إسرائيل" ذات الأسلوب عبر حصار خانق لقطاع غزة منذ 2007، وبناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، وإقامة مئات الحواجز العسكرية التي تعيق حركة الفلسطينيين، فضلًا عن عمليات الاقتحام الليلي والاعتقالات الإدارية التي تستهدف النشطاء والقيادات السياسية.
ويعتمد الطرفان على أساليب مشتركة في التعذيب والانتهاكات، وثقتها تقارير منظمات دولية كـ هيومن رايتس ووتش وأمنستي، وتضمنت حالات اختفاء قسري، واغتصاب، وتعذيب بالكهرباء، وقتل خارج نطاق القانون.
هذا النموذج الأمني العسكري العنيف يهدف إلى كسر إرادة الشعوب المحتلة، وتكريس واقع الاحتلال كأمر واقع، مع حرمان السكان الأصليين من أي مساحة للمقاومة أو التعبير عن رفضهم.
المحور الثالث: سياسة الاستيطان والتغيير الديموغرافي
لا تتوقف السياسات التوسعية للهند و"إسرائيل" عند حدود القمع العسكري، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الهوية السكانية للأراضي المحتلة، عبر مشاريع استيطانية ممنهجة تهدف إلى فرض واقع ديموغرافي جديد يُفقد السكان الأصليين سيطرتهم على أرضهم.
في فلسطين، تقوم "إسرائيل" ببناء مئات المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وتمنح آلاف المستوطنين اليهود امتيازات أمنية واقتصادية، مع تدمير بيوت الفلسطينيين، وتهجيرهم القسري كما حدث في أحياء الشيخ جراح وسلوان.
أما في كشمير، فبعد إلغاء المادة 370 من الدستور الهندي في أغسطس 2019، والتي كانت تمنح الإقليم وضعًا خاصًا يمنع غير الكشميريين من شراء أراضٍ فيه، فتحت الحكومة الهندية الباب أمام استيطان هندوسي واسع، مع إصدار قوانين تمنح حق الإقامة وشراء الأراضي لغير السكان الأصليين، ما أثار مخاوف مشروعة من مشروع "تغيير ديموغرافي" يشبه إلى حد بعيد المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
ويُستخدم في الحالتين الاستيطان كأداة استعمارية حديثة، تهدف إلى فرض وقائع ميدانية تعيق أي حلول سياسية مستقبلية، وتُبقي الاحتلال واقعًا لا يمكن تغييره، بذريعة أن الأرض أصبحت "مختلطة السكان".
المحور الرابع: القمع السياسي واستهداف النخب الوطنية
واحدة من أخطر أدوات الاحتلال، سواء في فلسطين أو كشمير، هي استهداف القيادات السياسية والنخب الوطنية التي تمثل صوت شعوبها وتدافع عن حق تقرير المصير.
في كشمير:
تلجأ الحكومة الهندية إلى اعتقال الزعامات السياسية المطالبة بالاستقلال أو الانضمام لباكستان.
يتم حظر الأحزاب والكيانات التي ترفع شعارات مقاومة الاحتلال، مثل جبهة تحرير جامو وكشمير.
كما تستخدم السلطات الهندية الإقامة الجبرية والاختفاء القسري لإسكات القيادات المؤثرة، مع إغلاق الصحف والقنوات التي تعكس المظلومية الكشميرية.
أما في فلسطين:
تطبق "إسرائيل" سياسة الاغتيالات المباشرة ضد قيادات حركات المقاومة، مثلما حدث مع أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي.
وتعتمد على الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة بحق المئات من النشطاء، وقمع المسيرات والاحتجاجات، خاصة في القدس والضفة.
بل إن "إسرائيل" تمارس العقوبات الجماعية بهدم منازل ذوي الشهداء والأسرى، في محاولة لعزل المناضلين عن حاضنتهم الشعبية.
هذا النمط المتشابه من القمع السياسي يعكس قناعة الاحتلالين بأن تحطيم رموز الشعب وتفكيك حواضنه السياسية هو شرط أساسي لإدامة السيطرة وإجهاض أي مشروع تحرري.
المحور الخامس: رفض حق تقرير المصير وازدواجية المعايير الدولية
من أخطر أوجه التشابه بين الاحتلالين، هو رفض الاعتراف بحق الشعوب المحتلة في تقرير مصيرها، مع تعمد استغلال المواقف الدولية المنحازة أو الصامتة، وتوظيفها لترسيخ الاحتلال.
في كشمير:
رغم وجود قرارات أممية صريحة (مثل قرار مجلس الأمن رقم 47 لعام 1948) تدعو لإجراء استفتاء حرّ يحدد مصير كشمير، إلا أن الهند ترفض ذلك جملة وتفصيلًا، وتعتبر كشمير "جزءًا لا يتجزأ" من الدولة الهندية.
في المقابل، تحظى الهند بدعم أو صمت معظم القوى الدولية، خصوصًا الولايات المتحدة والغرب، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب أو الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
أما في فلسطين:
يواجه الفلسطينيون نفس الموقف؛ إذ ترفض "إسرائيل" الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، وتُجهض أي تحرك دولي جاد عبر حلفائها.
والأدهى، أن مجلس الأمن ذاته عجز عن تنفيذ قراراته المتعلقة بإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان، بسبب الفيتو الأمريكي المتكرر لصالح الكيان.
هذه الازدواجية الدولية كشفت عورة النظام العالمي، الذي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، بينما يغض الطرف عن ممارسات الهند و"إسرائيل"، ما يشجع الاحتلالين على مواصلة سياساتهما.
الخاتمة:
إن مقارنة الاحتلال الهندي في كشمير مع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين تكشف عن أوجه تشابه عديدة في سياسات القمع، والتوسعية، والتلاعب بالقانون الدولي. كلا الاحتلالين يعتمد على القوة العسكرية العمياء لفرض السيطرة، والعسكرة المفرطة للأراضي المحتلة، في محاولة لتطويع الشعوب وحرمانهم من أبسط حقوقهم في الحرية وتقرير المصير. من الاستيطان إلى التغيير الديموغرافي، مرورًا بالقمع السياسي، وتصفية النخب الوطنية، يتبع الاحتلالان ذات السياسات المنهجية لفرض واقع جديد يشوه الهوية الوطنية ويكسر إرادة الشعب.
أما على المستوى الدولي، فإن ازدواجية المعايير تظل أكبر جرح في جسد العدالة العالمية، فبينما تُرفع شعارات حقوق الإنسان في المحافل الدولية، تُستمرأ الانتهاكات التي تجري تحت سمع وبصر العالم في كشمير وفلسطين. وهذا السكوت يُشجع الاحتلالين على التمادي في سياساتهما القمعية دون خشية من مساءلة أو محاسبة.
في النهاية، الشعوب الكشميرية والفلسطينية يظلان نموذجًا للثبات والصمود في وجه آلة الاحتلال الجبارة. ورغم تزايد التحديات، فإن حقهم في الحرية واستقلالهم سيظل مُسجّلًا في الذاكرة الإنسانية كحق أساسي لا يُمكن التنازل عنه. والمسؤولية اليوم تقع على عاتق المجتمع الدولي لإيقاف هذا النزيف المستمر، وتطبيق العدالة التي تُمكّن هذه الشعوب من تقرير مصيرها بأنفسها.


تعليقات
إرسال تعليق