هل يمكن للإنسان النفاذ من أقطار الأرض؟
النفاذ من أقطار السماوات والأرض بين النص الشرعي والعلم الحديث
بسم الله الرحمن الرحيم
منذ أن بدأ الإنسان يتأمل في السماء ويتتبع نجومها، راوده حلمُ الانفلات من جاذبية الأرض والانطلاق إلى عوالم أخرى. هذا الحلم الذي أخذ بُعدًا جديدًا مع انطلاق أول قمر صناعي، ثم مع ادعاءات الهبوط على القمر واستكشاف الكواكب، أصبح مثار جدل واسع، ليس فقط من منظور علمي، بل من زاوية شرعية أيضًا.
فهل بإمكان الإنسان فعلاً أن ينفذ من أقطار الأرض والسماوات؟ وهل ما يُروّج له في وسائل الإعلام ووكالات الفضاء يتوافق مع النصوص القرآنية والتحديات الطبيعية؟
في هذا المقال، نغوص معًا في أعماق النصوص الشرعية، ونطير فوق مدار العلم الحديث، لنكشف حقيقة هذا النفاذ المزعوم.
أولاً: الآيات القرآنية ودلالاتها على النفاذ
الآية تُخاطب الإنس والجن، وتطرح شرطًا واضحًا لأي محاولة للنفاذ من أقطار السماوات والأرض: "بسلطان". وقد فُسِّر هذا السلطان عند المفسرين على وجهين:
هذه الآية تُشير إلى عقبات مهلكة تعترض سبيل من يحاول النفاذ بدون سلطان شرعي. فـ"الشواظ" هو اللهب الناري المصحوب بدخان، و"النحاس" هو المعدن المصهور أو الأبخرة المعدنية الساخنة.
هذه الآية تصف كيف أن محاولة استراق السمع من السماء تواجه بعقوبة فورية: شهاب رصَد، ما يدل على وجود منظومة دفاعية ربانية تحمي أقطار السماوات.
ثانيًا: أقوال المفسرين في الآيات
ابن كثير قال: "لا تستطيعون الهروب من أمر الله وقدره إلا بسلطان منه، وهو غير حاصل لكم".
القرطبي قال: "السلطان هنا يُراد به البرهان القاطع، أو القوة المادية، أو الإذن الإلهي، وكلها غير متوفرة للجِن والإنس".
الطبري رجّح أن الحديث في الآيات عن أهوال يوم القيامة، ولكن هذا الرأي - مع جلالة قائله - يُمكن الرد عليه، إذ أن يوم القيامة سيكون عالمًا مختلفًا تمامًا كما قال الله تعالى: "يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ" [إبراهيم: 48]، وفي ذلك اليوم ستكون السماوات مطوية كطي السجل للكتب، وستذوب كالدُهان، وتحيط بالخلق أعدادٌ لا تُحصى من الملائكة تفوق عدد الإنس والجن، وسرعتهم تفوق سرعة الضوء. فلا حاجة حينها إلى شواظ من نار أو نحاس لمنع الهروب أو النفاذ، إذ إن النظام الكوني نفسه سيكون منتهيًا، وتبدأ منظومة أخرى تحكمها مشيئة الله وحده.
إذًا، الآيات تحمل دلالة مزدوجة: غيبية أخروية، وعلمية دنيوية.
ثالثًا: المعراج النبوي كنموذج نفاذ بإذن إلهي
النبي محمد ﷺ، عندما عُرج به إلى السماوات، لم يكن ذلك بجهد بشري أو علمي، بل بأمر رباني مباشر، ووسيلة خاصة: البُراق.
وقد أخبر ﷺ أن السماوات لها أبواب، وكان جبريل يستأذن عند كل باب. وهذا يثبت أن السماوات ليست مفتوحة لمن هبّ ودبّ، بل هناك نظام كوني محكم لا يُخترق إلا بإذن من الله.
رابعًا: التحديات العلمية أمام النفاذ
1. الشهب والنيازك والحطام الفضائي:
الغلاف الجوي للأرض يحترق فيه يوميًا ما بين 25 إلى 50 مليون شهاب. هذه الشهب ما هي إلا غبار فضائي يدخل بسرعات عالية (تصل إلى 72 كم/ث).
المركبات الفضائية تواجه نفس هذا المصير عند خروجها.
نسبة الحطام الفضائي في مدارات الأرض القريبة عالية جدًا، وقد تضر أي جسم يتحرك بسرعة عالية.
2. حزام فان آلن الإشعاعي:
الأرض محاطة بحزامين من الإشعاع القاتل.
أي جسم حي يحاول عبوره يتعرض لإشعاعات قد تكون قاتلة.
وكالة ناسا نفسها أقرت بخطورة هذه الأحزمة.
3. الجاذبية والاحتكاك:
الصعود من الأرض يتطلب طاقة هائلة لتجاوز جاذبيتها.
المركبة الفضائية تتعرض لاحتكاك شديد يؤدي إلى حرارة تتجاوز 1650 درجة مئوية.
هذا الاحتكاك يحاكي الشواظ والنحاس المذكور في الآية.
خامسًا: المزاعم الفضائية تحت المجهر
رغم مرور أكثر من خمسين سنة على إعلان أمريكا الهبوط على القمر، لا توجد دلائل مادية واضحة تدعم هذا الادعاء:
بل حتى موظفون سابقون في "ناسا" شككوا في مصداقية بعض الإنجازات المزعومة، مما يفتح الباب لمزيد من الشك المشروع.
سادسًا: التقاء العلم بالنص الشرعي
حين نتأمل قول الله تعالى:
ونقارنه بما تواجهه المركبات من:
نجد أن هذه المعوقات تتجلى علميًا كما ورد شرعيًا. فالقرآن سبق العلم، وشرح الحقائق التي بدأ الإنسان الآن بالكاد يلمس أطرافها.
الخاتمة
النفاذ من أقطار الأرض والسماوات ليس مجرد مغامرة علمية، بل هو محاولة اختراق لنظام رباني محكم. والنصوص الشرعية تُخبرنا أن هذا الأمر لا يتم إلا بسلطان، أي بعلمٍ مؤيد بإذنٍ إلهي.
وما نراه من محاولات بشرية - رغم أنها مثيرة للدهشة - إلا أنها لم تتجاوز حتى الآن حدود الغلاف الجوي ومدارات الأرض القريبة، وما بعدها يظل في علم الغيب أو تحت بند الدعاية.
فكن واعيًا، ولا تُسلّم عقلك لكل ما يُروّج له دون بُرهان. فإن للسماء حُراسًا، وللأرض أبوابًا، وللنصوص مفاتيح تُزيل الغشاوة عن العيون والعقول.

تعليقات
إرسال تعليق